الألباب المغربية/ بدر شاشا
يشكل التعليم والتكوين أساس التنمية البشرية والاقتصادية لأي دولة، غير أن فعالية هذا النظام تبقى مرتبطة بمصداقية الشواهد والدبلومات الممنوحة للطلبة والمتدربين. وفي ظل التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم، أصبح من الضروري أن ينخرط المغرب في مشروع وطني طموح يهدف إلى رقمنة جميع الشواهد والدبلومات الصادرة عن مؤسسات التعليم والتكوين العمومية والخاصة، عبر إنشاء سجل وطني رقمي موحد يضمن الشفافية ويقضي على مختلف أشكال التزوير والغش.
إن اعتماد منظومة رقمية وطنية متطورة سيمكن من تتبع المسار الدراسي والتكويني لكل طالب منذ بداية دراسته إلى غاية حصوله على الشهادة أو الدبلوم. وستتضمن هذه المنظومة جميع المعطيات المتعلقة بالمؤسسة التعليمية، وسنوات الدراسة، والوحدات المجتازة، والنقط المحصل عليها، ومحاضر الامتحانات، ولوائح الحضور، وقرارات لجان المداولات، وتاريخ التخرج، بما يجعل كل شهادة قابلة للتحقق الفوري من طرف الإدارات العمومية والمؤسسات الخاصة.
ومن شأن هذا النظام أن يجعل لكل شهادة أو دبلوم رقماً وطنياً تعريفياً فريداً ورمزاً إلكترونياً آمناً يمكن من التأكد من صحتها بمجرد الاطلاع عليها عبر منصة إلكترونية رسمية. وبهذا سيتم القضاء تدريجياً على ظاهرة الشهادات المزورة أو غير المعترف بها، التي تضر بمصداقية المؤسسات التعليمية وتؤثر على تكافؤ الفرص بين المواطنين.
كما أن رقمنة الشهادات ستساهم في حماية سوق الشغل من التلاعب بالمؤهلات العلمية، إذ ستتمكن الإدارات والمؤسسات المشغلة من التحقق المباشر من صحة الشهادات المدلى بها من طرف المترشحين للمباريات أو مناصب الشغل، دون الحاجة إلى إجراءات ورقية طويلة ومعقدة.
وسيتيح السجل الوطني الرقمي كذلك حفظ جميع الوثائق المرتبطة بالامتحانات والمداولات بشكل دائم وآمن، بما في ذلك محاضر اللجان ولوائح الحضور والنتائج النهائية، الأمر الذي سيعزز الشفافية ويضمن إمكانية الرجوع إلى المعطيات الأصلية عند الحاجة، سواء لأغراض إدارية أو قضائية أو أكاديمية.
إن هذا المشروع لا يهدف فقط إلى محاربة التزوير، بل إلى خلق دينامية جديدة في تدبير الشواهد والدبلومات بالمغرب، تقوم على السرعة والشفافية والحكامة الجيدة. كما سيساهم في تسهيل معادلة الشهادات، والاعتراف بالمؤهلات، والتنقل الأكاديمي والمهني داخل المغرب وخارجه.
ومن الناحية القانونية، فإن رقمنة الشواهد والدبلومات ستعزز الأمن القانوني للوثائق التعليمية، وتدعم جهود الدولة في مكافحة الجرائم المرتبطة بالتزوير واستعمال الوثائق غير الصحيحة، كما ستوفر قاعدة بيانات وطنية دقيقة تساعد على التخطيط الاستراتيجي في مجالات التعليم والتكوين والتشغيل.
إن المغرب يمتلك اليوم الإمكانيات التقنية والمؤسساتية الكفيلة بإنجاز هذا الورش الوطني الكبير، الذي يمكن أن يشكل ثورة حقيقية في مجال تدبير المؤهلات العلمية والمهنية. فكما تم رقمنة العديد من الخدمات الإدارية، أصبح من الضروري الانتقال إلى رقمنة شاملة للشواهد والدبلومات، بما يضمن حقوق الخريجين الحقيقيين ويحمي المؤسسات من التلاعب ويعزز الثقة في المنظومة التعليمية الوطنية.
إن إنشاء سجل وطني رقمي موحد للشواهد والدبلومات والنتائج ومحاضر اللجان ولوائح الحضور يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء إدارة حديثة وتعليم أكثر مصداقية وعدالة، ويشكل سداً منيعاً أمام الغش والتزوير وشراء الشهادات، ويكرس مبدأ الاستحقاق والكفاءة باعتبارهما أساس النجاح والولوج إلى الوظائف والمسؤوليات.