الألباب المغربية
بقلم د. حسن شتاتو
تواجه المغرب اليوم تحديًا وجوديًا يتمثل في ندرة المياه، ليس فقط بسبب التغيرات المناخية، بل أيضًا نتيجة سياسات مائية ارتكزت لعقود على استنزاف الفرشات المائية دون تعويض طبيعي. إن المستقبل يفرض مقاربة عقلانية، متعددة المصادر، قائمة على الصيانة، والنجاعة، والتكنولوجيا الأقل كلفة.
وبكل صراحة، الهيئات الدبلوماسية للمغرب يجب أن تضم علماء وتقنيين، وتكون مدة خدمتهم طويلة بما يكفي لمتابعة التطورات العلمية والاستفادة من الخبرات العالمية، ونقلها إلى المغرب. للأسف، هناك محدودية واضحة في الدبلوماسيين الحاليين تضيع فرص الاستفادة العلمية كما يجب. لذلك، من الضروري تشجيع الأطر من أبناء الجالية المغربية في الخارج لنقل العلوم والخبرات إلى الوطن، ما يسهم في تعزيز قدرات المغرب التقنية والعلمية في مجال إدارة الموارد المائية وغيرها من القطاعات الحيوية.
أولًا: السدود… البناء وحده لا يكفي
السياسة المائية القائمة على السدود كانت استراتيجية صائبة لعقود، لكنها لم تعد كافية. التحدي اليوم يكمن في صيانتها وتأهيلها:
الإشكاليات:
-تراكم الطمي يقلل القدرة التخزينية.
-تسرب المياه بسبب تقادم البنى.
-نقص برامج الصيانة الوقائية.
الفائدة: صيانة السدود أقل كلفة بكثير من بناء سدود جديدة، وتحسن الأمن المائي على المدى الطويل.
ثانيًا: المياه المالحة… خيار ذكي
الوضع الحالي:
المغرب بدأ في تحلية مياه البحر، لكن العملية:
-معقدة تقنيًا،
-مرتفعة التكلفة،
-صعبة التعميم في المناطق الداخلية.
البديل: المياه الشبه المالحة (Brakish Water)
-أقل ملوحة من مياه البحر.
-موجودة في طبقات جوفية ساحلية أو داخلية.
-أسهل وأرخص في المعالجة.
علميًا:
-استهلاك طاقة أقل بنسبة 50–70% مقارنة بالتحلية التقليدية.
-صيانة أقل، عمر أطول للأغشية، تكاليف تشغيل منخفضة.
الفائدة:
- مياه صالحة للشرب والسقي.
- تقليل الضغط على الفرشات المائية العذبة.
- إمكانية تغطية المدن المتوسطة والمناطق الفلاحية.
ثالثًا: حماية الفرشة المائية… أولوية استراتيجية
الفرشة المائية مورد محدود وحساس. استنزافها يؤدي إلى:
-انخفاض منسوب المياه،
-تملح التربة،
-تهديد الأمن الغذائي.
الحل: جعل الفرشات المائية احتياطيًا استراتيجيًا أخيرًا، وعدم الاعتماد عليها كمصدر يومي.
دروس من التجربة الدولية
هولندا مثال حي على:
-تنويع مصادر المياه.
-الاعتماد على المياه الشبه المالحة كحل انتقال ذكي قبل اللجوء لتحلية البحر.
-أهمية الصيانة والبحث العلمي والتخطيط طويل المدى.
مستقبل المياه في المغرب يتطلب مزيجًا ذكيًا من:
1-صيانة وتأهيل السدود.
2-تطوير تقنيات تحلية أقل تعقيدًا وأرخص (المياه الشبه المالحة).
3-حماية صارمة للفرشات المائية.
4-نقل الخبرات العلمية من الدبلوماسية ومن أبناء الجالية المغربية.
الماء ليس مجرد مورد، بل هو أساس السيادة والاستقرار الوطني.