الألباب المغربية/ سعيد الغازيوي
في قلب عرق الشبي، وعلى بعد 7 كيلومترات فقط من مرزوكة الشهيرة، تقع قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 300 نسمة و60 بيتا، لكن صيتها تجاوز حدود الصحراء. إنها قرية الخملية (Khamlia)، التي تلقب بـ”قرية كناوة” و “البوابة الجنوبية للصحراء”.
قرية “الخملية”، التابعة ترابيا لجماعة الطاوس بإقليم الرشيدية ضمن جهة درعة تافيلالت، ليست كأي قرية صحراوية. سكانها ذوو بشرة سمراء، أحفاد عبيد جلبوا من جنوب الصحراء، وتحديدا من السودان الغربي، إمبراطورية غانا القديمة التي تضم اليوم مالي والسنغال والنيجر وغينيا.
يعود تواجد الكناويين في المغرب إلى العصر الذهبي للدولة السعدية، نهاية القرن 16 في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، حين كانت القوافل تأتي بالذهب والرقيق من تمبكتو عبر الصحراء. هؤلاء العبيد، بعد تحررهم، اندمجوا في المجتمع المغربي لكنهم حافظوا على إرثهم الروحي والموسيقي، وشكلوا ما يعرف اليوم بـ “الطريقة الكناوية”.
وكلمة “كناوة” نفسها، حسب الباحثين، هي تحريف لكلمة “غينيا” أو “غناوة”، أي عبيد غينيا، كما كانوا يسمون أنفسهم، وقيل أيضا أن أصلها أمازيغي “أغناو” ويعني الرجل الأسود.
ما يميز خملية هو أنها بقيت وفية للأصل. فرقة كناوة الخملية معروفة في جميع أنحاء المغرب، وتشتهر بطقس “الجدبة” وآلاتها العتيقة: الهجهوج (السنتير) ذو الأوتار الثلاث، والقراقب الحديدية، والطبل الكبير “الكانكا”.
القرية، رغم صغرها، أصبحت قاعدة ممتازة لاستكشاف الصحراء ومراقبة الطيور، وتتوفر على محلات ومدرسة ودار ضيافة، لكن رأسمالها الحقيقي هو موسيقاها. كل صيف، يشارك أبناؤها في مهرجان الصويرة لكناوة وموسيقى العالم، وفي 5 غشت من كل سنة ينظمون مهرجانهم المحلي، حيث تمتزج أهازيج مدح الرسول بحركات متناسقة ونغمات روحية تعود لعمق إفريقيا.
إن الخملية اليوم، ليست مجرد قرية على حافة الكثبان، بل هي ذاكرة حية لتحول الألم التاريخي للعبودية إلى فن روحي خاطب اليونسكو وصنف كتراث إنساني غير مادي، ودليل على أن المغرب، كما قال الباحثون، كان دائما مجالا حيويا انصهرت فيه الثقافة العربية والأمازيغية والإفريقية.