الألباب المغرية/ محمد خلاف
في إحدى القرى القابعة تحت ظلال جبال الأطلس بنواحي بني ملال، حيث تنحت الطبيعة القاسية ملامح الصمود والشهامة على وجوه الشباب، وحيث تبدو قمم الجبال الشاهقة أحياناً أصغر من طموحاتهم، كان “سعيد” يرقب الأفق بعينين ملؤهما الإصرار. لم يكن رحيله مجرد بحث عن المال، بل كان سعياً وراء كرامة ضاقت بها السبل. ركب قوارب الموت، يصارع أمواجاً لا ترحم، يحيط به هول البحر من كل جانب، حتى وطأت قدماه الضفة الأخرى “حراݣاً”، لا يملك غير عزة نفس ورثها عن أجداده في دير بني ملال.
انتهى به المطاف في مدينة بيرغامو الإيطالية، لكنها كانت باردة وجافة، لا تشبه دفء “عين أسردون” ولا خضرة بساتين الزيتون في بلده. عاش سعيد أياماً قاسية، بلا أوراق تثبت هويته، وبلا لغة يفهمها. صار يفترش الكرتون تحت قنطرة مهجورة، يلتحف الصقيع الذي ينهش عظامه، ويقتات على الفتات، متجنباً نظرات الشرطة كأنه طيف عابر في صمت إيطاليا المطبق.
في ليلة شتائية قارسة، عند الثانية بعد منتصف الليل، زلزل سكون المكان صوت ارتطام مروع وتحطم زجاج. قفز سعيد من مرقده ليرى سيارة عائلية تهوي من الطريق السريع وتغرق في مياه نهر “أدا” (ADDA) الهائج.
في تلك اللحظة، لم يتذكر سعيد أنه بلا أوراق، ولم يبالِ بخطر الترحيل. استدعى في أعماقه جينات “الملالي الحر”، تلك الجسارة التي تسري في عروق أبناء الأطلس وقوة التحمل التي صقلتها وعورة الجبال.
ارتمى سعيد في النهر دون تردد، كانت المياه كالإبر تصعق جسده، لكن “النفس الحارة” والشهامة المغربية كانت وقوده. وصل للسيارة، سحب الزوج المذعور لليابسة، ثم عاد كالسهم لينقذ الزوجة بعدما كسر الزجاج بقطعة حديد. وبينما هو يلفظ أنفاسه من التعب، صرخت الأم بصوت مزق قلبه: “!Bambino” (طفلي).
غاص سعيد مجدداً في عتمة المياه القاتلة، دخل للمقعد الخلفي الذي غمرته المياه، وبقوة بدنية استثنائية استلهمها من عرق العمل في حقول الزيتون، فك حزام الطفل وانتزعه من مخالب الموت في اللحظة التي ابتلع فيها النهر السيارة تماماً.
ومع وصول سيارات الإسعاف، انسحب سعيد بهدوء إلى “عشه” المظلم تحت القنطرة، مبتلاً يرتجف، لكنه كان يشعر بزهو لا يوصف. لم تطل السرية، فكاميرات المراقبة وشهادة العائلة جعلت من “بطل الظل” حديث إيطاليا، تصدرت صورته الصحف، وعنونت (L’Eco di Bergamo): “الملاك المغربي القادم من بني ملال الذي قهر الموت في نهر أدا”.
أمام هذه التضحية، منحت السلطات الإيطالية سعيد أوراق الإقامة والجنسية في قرار استثنائي. تحول الشاب “الحراݣ” إلى رمز وطني، مثبتًا للجميع أن “المعدن الملالي” الأصيل لا يصدأ، وأن البطاقة الوطنية لا تصنع البطل، بل تصنعه القيم التي يحملها في قلبه أينما ارتحل. أنقذ سعيد عائلة، ففتح له القدر أبواب الحياة من جديد، محولاً سواد القنطرة إلى ضياء المجد.
ولم تكن تلك الأوراق الرسمية نهاية الحكاية، بل كانت مفتاحاً لغدٍ مشرق؛ فبفضل إخلاصه وتفانيه، حصل سعيد على وظيفة مستقرة في إحدى كبرى الشركات الصناعية بضواحي “بيرغامو”، حيث صار مثالاً يُحتذى به في الانضباط والجدية. ومرت السنوات، واستطاع سعيد بجهده وكده أن يحقق الحلم الذي طالما داعب خياله تحت جنح الظلام.
وفي مشهد يفيض بالفخر، عاد سعيد إلى مسقط رأسه بنواحي بني ملال، ليس على متن “قوارب الموت” هذه المرة، بل خلف مقود سيارته الخاصة التي عبرت الموانئ لتطأ أرض الوطن. هناك، في قلب “دير بني ملال”، اشترى منزلاً جميلاً يليق بصبره، وتزوج من ابنة بلده لتكتمل فصول استقراره.
لكن الوفاء لم يغب عن قلب البطل المغربي؛ فقد دعا تلك العائلة الإيطالية التي أنقذها من الغرق لزيارة المغرب. وحين وصلوا إلى “عروس الأطلس”، سحرهم جمال عين أسردون بتدفق مياهها العذبة وشلالاتها التي تحكي قصص الكرم والجود. وقف الزوجان الإيطاليان مذهولين أمام خضرة البساتين وطيبة الناس، وأدركوا حينها أن تلك الشهامة التي أظهرها سعيد في ليلة النهر الباردة، لم تكن مجرد صدفة، بل هي نتاج طبيعة ساحرة وأرض لا تنبت إلا الأحرار.