الألباب المغربية/ عزيز لعويسي
يحتفي الشعب المغربي قاطبة بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، وإذا كانت المناسبة، بما تجسده من حمولة تاريخية ووطنية ودلالات رمزية، تقتضي التقدم بأصدق التهاني وأطيب المتمنيات لرمز الأمة وضامن وحدتها واستمرارها ومهندس بنائها ونمائها، الملك محمد السادس حفظه الله وسدد خطاه، وللشعب المغربي بالأمن والاستقرار والنماء والازدهـــار، فهي علاوة على ذلك، تشكل موعدا سنويا، ليس فقط، لتجديد دماء المحبة والولاء والوفاء بين العرش والشعب، بل واستحضار دلالات ورمزية الاحتفال بعيد سعيد، كان إحدى الوسائل النضالية الناعمة، التي لجأت إليها الحركة الوطنية مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، في معركة الحرية والكرامة والتحرير، في لحظة تاريخية صعبة وشاقة، فرضت على المغاربة بكل أطيافهم وانتماءاتهم، الجنوح الذي لا محيد عنه، نحو الوحدة والتشبث بثوابت الأمة الجامعة، التي شكل العرش العلوي، إحدى مضلعاتها البارزة، في إطار ملحمة نضالية قادها ملك مجاهد وشعب مناضل، أثمرت إدراك نعمةالتحرر والانعتاق من قبضة الاستعمار الظالم، وعبدت الطريق للخروج الآمن من “جهاد أصغر” إلى “جهاد أكبر”، ارتبط في مرحلة أولى، ببناء أسس ومرتكزات الدولة المغربية الحديثة، واستكمال الوحدة الترابية، في عهد الملكين الراحلين محمد الخامس وخلفه الحسن الثاني طيب الله ثراهما، وفي مرحلة ثانية، بكسب رهانات التنمية الشاملة وتدعيم وتحصين الوحدة الترابية، والتي شكلت وتشكل الخيط الناظم والرفيع للسياسة الرفيعة، التي يقودها الملك محمد السادس منذ ما يقارب الثلاثة عقود من الزمن؛
سياسة متعددة الزوايا والأبعاد، عكست وتعكس بصمة ملك استراتيجي، نجح بصمت وحكمة ونجاعة وتبصر، في تغيير ملامح المغرب تماما، على مستوى البناء والتشييد والأوراش الكبرى والتنمية الشاملة والإقلاع الاقتصادي والإشعاع الإقليمي والدولي، وبدون شك، وبمعزل عن لغة المعطيات والأرقام، فمن عاش في مغرب الاستقلال، وتحديدا أجيال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، يدرك أكثر من غيره، حجم وقيمة ما تحقق في عهد الملك محمد السادس من إصلاحات عميقة وبنيات تحتية كبرى، وأوراش تنموية مفتوحة، جعلت المغرب يسير على خطى البلدان الصاعدة، رغم ما تخلل النموذج التنموي من مظاهر القصور والمحدودية، والتي كرست للأسف، مغرب يسير بسرعتين متناقضتين تماما، وهو ما يقتضي تنزيل جيل جديد من المشاريع والبرامج التنموية والترابية، التي من شأنها توحيد سرعة المحرك التنموي، وجعل ثمار التنمية في متناول المغاربة قاطبة في إطار من العدالة والمساواة والإنصاف؛
الاهتمام بتنمية الإنسان والمجال شكل حجرة الزاوية في المنهج التنموي للملك محمد السادس، وهو ما تجسدمبكرا في إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 لتكون ورشا ملكيا مفتوحا، يروم في مرحلته الثالثة “تدارك الخصاص على مستوى البنيات التحتية، والخدمات الأساسية، بالمجالات الترابية الأقل تجهيزا”، و”مواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة”، وتحسين الدخل، والإدماج الاقتصادي للشباب، إضافة إلى الدفع بالتنمية البشرية للأجيال الصاعدة، كما تجسد في إطلاق تنزيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية سنة 2021، الذي شكل ثورة اجتماعية حقيقية غير مسبوقة في تاريخ المغرب المستقل، لما لها من تأثير مباشر على ظروف عيش شرائح واسعة من المواطنين، ومن صيانة كرامة المغاربة وتحصين الفئات الفقيرة والمعوزة، في ظل ما بات يهدد العالم من تقلبات اقتصادية ومخاطر صحية، وقد تعزز هذا الجهد التنموي، بالنهوض بأوضاع التربية والتكوين وتعميم التمدرس والعناية بالتعليم الأولي ومحو الأمية بالمساجد والتكوين المهني، ووضع المنظومة الصحية على سكة إصلاحات عميقة، دافعة في اتجاه الرقي بالصحة العمومية لتكون في مستوى التحديات والرهانات المطروحة، والاهتمام بالرياضة الوطنية عامة وكرة القدم خاصة، التي باتت مرآة عاكسة لمغرب التنمية والبناء والإشعاع، فضلا عن إرساء سياسة ترابية، دافعة في اتجاه تأهيل الأوساط الحضرية والنهوض بالمدن العتيقة، وتثمين الذاكرة والتاريخ والأرشيف…
وفي هذا الإطار، وبما أن التنمية لا تستقيم بدون أمن واستقرار، فقد شهد الأمن الوطني المغربي في عهد الملك محمد السادس، تحولات جوهرية، أثمرت ميلاد شرطة مغربية، مشهود لها بالخبرة والكفاءة، باتت محط تقدير وإشادة دوليين، وتحولت اليوم إلى مؤسسة وطنية عصرية، ضامنة للحق الفردي والجماعي في الأمن، ومواكبة لما يواجه مغرب اليوم، من تحديات ورهانات، في سياق إقليمي ودولي، مطبوع بالتوتر والصراع والقلق واللايقين، وهي ذات التحولات التي شهدتها مؤسسة القوات المسلحة الملكية بكل انتماءاتها وتشكيلاتها، التي تتطلع، تحت القيادة الرشيدة، لقائدها الأعلى ورئيس أركانها، إلى كسب رهانات العصرنة والتحديث والحرفية والانفتاح، لتكون حصن الوطن الحصين وعيون الأمة التي لا تنام؛
وبقدر رهانه على تنمية الإنسان والمجال، بقدر ما حرص ويحرص عاهل البلاد، على تمكين المملكة، من بيئة دافعة في اتجاه خلق اقتصاد وطني تنافسي داعم للفعل التنموي الشامل، عبر النهوض بشبكة الطرق السيارة وخطوط السكك الحديدية وتحديث المطارات، وتأهيل المناطق الصناعية، وتقوية قدرات المغرب البحري، عبر دعم منظومة الموانئ المغربية، من خلال بناء “ميناء طنجة المتوسط” الذي تحول اليوم إلى واحد من أكبر الموانئ على المستوى الدولي، و”ميناء الناظور غرب المتوسط” الذي سيعزز مكانة المغرب في التجارة الدولية سيما العابرة للمجال المتوسطي، و”ميناء الداخلة الأطلسي” قيد الإنجاز، الذي سيكون واجهة المغرب الأطلسي نحو العمق الإفريقي والقارة الأمريكية، فضلا عن تحديث ميناء الدار البيضاء، ليكون في صلب تحولات المغرب المتوسطي والأطلسي، وكان من ثمار هذه المجهودات التنموية وغيرها، تحول المغرب إلى وجهة دولية موثوقة وآمنة ومستقرة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، في قطاعات استراتيجية كالسيارات والطائرات والطاقة وغيرها، ومنعشة لسوق الشغل؛
موازاة مع حرصه المستدام على كسب رهانات التنمية الشاملة والدفع بالمغرب نحو مصاف البلدان الصاعدة، تحمل الملك محمد السادس وزر وأعباء ملف الوحدة الترابية للمملكة، وجعل من قضية الصحراء المغربية قضية المغاربة الأولى، ونجح عن جدارة واستحقاق بعد إجهاد دبلوماسي طويل امتد لعقود من الزمن، في حشر خصوم وأعداء الوطن في الزوايا الضيقة، وحشد المنتظم الدولي حول عدالة القضية المغربية، في إطار دبلوماسية صامتة، حضر فيها الصبر وقوة التحمل والثبات والحكمة والتبصر والاستباقية، كان من ثمارها الظفر – خلال شهر دجنبر 2020 – باعتراف أمريكي غير مسبوق بمغربية الصحراء “لا يتغير بتغير الإدارات، ولا يتأثر بالظرفيات”، وهو الموقف التاريخي الذي عزز دبلوماسية القنصليات وحفز عدة دول للخروج من منطقة الظل، في مقدمتها الجارة الشمالية إسبانيا، التي لم تجد من خيار، سوى الإقرار سنة 2022، بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره القاعدة الأكثر مصداقية لتسوية الخلاف، وقد شكل الموقف الإسباني مكسبا دبلوماسيا على جانب كبير من الأهمية، بالنظر إلى الماضي الاستعماري لإسبانيا بالمنطقة، ما يجعلها أكثر من غيرها، على دراية بالحقائق والمعطيات والأسانيد التي تثبت سيادة المغرب على صحرائه؛
وفي ذات السياق،واجه الجالس على العرش “ازدواجية المواقف الأوربية”، بما يلزم من الندية والحزم والواقعية، بالإعلان الصريح أن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات، وهذه النظارة المتبصرة، كانت كافية لإخراج عدد من الدول الأوربية من المنطقة الرمادية، في طليعتها فرنسا، التي عبرت سنة 2024 عن موقف متقدم، اعتبرت من خلاله، أن حاضر ومستقبل الصحراء الغربية مندرجين تحت السيادة المغربية، وأنها تدعم خطة الحكم الذاتي المغربية كأساس وحيد لحل النزاع، وهذا الموقف الفرنسي غير المسبوق، لم يكن فقط، فتحا دبلوماسيا جديدا، في مسار تحصين الوحدة الترابية للمملكة، بل وعرى عن سوءة أطروحة الانفصال، ومنح الدبلوماسية المغربية نفسا جديدا، مكن من اقتحام عدد من القلاع الحصينة التي ظلت طيلة عقود من الزمن معترفة بوهم البوليساريو وداعمة لأطروحة النظام الجزائري التائه، وفي المحصلة إجماع عربي وإفريقي ودولي بسيادة المغرب على صحرائه، باستثناء نظام الشر بالجزائر، الذي لازال مصرا بغباء، على الرهان على أطروحته البالية، ومن يتبنى طرحه البئيس، من الحاقدين والمترددين والمناورين؛
وبالموازاة مع النهج الدبلوماسي الدافع في اتجاه حشد الإجماع الدولي حول سيادة المغرب على صحرائه، والتصدي الناعم لمختلف مناورات ودسائس خصوم وأعداء الوطن، راهن الملك محمد السادس على النهج التنموي كمدخل ليس فقط لتنمية الإنسان والمجال في جهات وأقاليم الجنوب، بل وكمقاربة مجالية متبصرة، داعمة لمسعى تحصين الوحدة الترابية للمملكة، وفي هذا الإطار، أطلق جلالته بمدينة العيون “استراتيجية تنفيذ النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية” تزامنا واحتفالات الشعب المغربي بالذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، وكان من ثمار هذا النموذج التنموي الرائد، وضع الصحراء المغربية على سكة نهضة تنموية اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تحولت معها المنطقة، إلى وجهة اقتصادية واعدة، جاذبة للاستثمارات الأجنبية، ما يؤهلها لتتحول في قادم السنوات إلى منصة اقتصادية وتجارية ولوجستيكية عالمية، وطريقا لامحيد عنه، معززا للترابطات التجارية والمالية بين أوربا وإفريقيا الأطلسية وأمريكا الشمالية والجنوبية، وهي الأدوار التي سيضطلع بها ميناء الداخلة الأطلسي قيد الإنجاز، والذي سيكـــون بدون شك، درع المغرب الأطلسي وقوته الضاربة، في بعدها الجيواستراتيجي والسياسي؛
وبعين ثاقبة ونظرة ذات عمق استراتيجي، دافعة نحو تنمية العلاقات جنوب-جنوب، وتعزيز آليات التعاون والاندماج البيني الإفريقي الأطلسي، قدم العاهل المغربي مبادرات عالمية رائدة، كرست المملكة كصانعة لقيم المحبة والصداقة والسلام والتعاون والعيش المشترك، وقوة دافعة نحو الأمن والاستقرار والوحدة والازدهــار، في محيط إقليمي موسوم بالقلق والتوتر والجريمة والإرهاب والانفصال، ويتعلق الأمر بمبادرة إفريقيا الأطلسية، ومبادرة تمكين بلدان الساحل والصحراء من منفذ على المحيط الأطلسي، ومبادرة أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، وهذه المبادرات المبدعة والمبتكرة، من شأنها ليس فقط، تشكيل جبهة إفريقية أطلسية مستقرة ومتعاونة ومزدهرة، بل وتحصين الصحراء المغربية، وجعلها قاطرة حقيقية لما تتطلع إليه إفريقيا والأفارقة من أمن واستقرار ووحدة وسلام وبناء ونماء، وبين هذا وذاك، إحكام الخناق على خصوم وأعداء الوحدة الترابية، ونسف ما تبقى من أطروحتهم البالية؛
مجهودات دبلوماسية متعددة الزوايا، ومبادرات تنموية ذات عمق استراتيجي يتقاطع فيها الوطني بالإقليمي والدولي، مكنت المملكة بعد إجهاد دبلوماسي واقتصادي طال أمده، من انتزاع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797/2025 الذي انتصر لعدالة قضية الوحدة الترابية للمملكة، وكرس سيادة المغرب على صحرائه في إطار مقترح الحكم الذاتي، مؤسسا بذلك، لمرجعية قانونية وسياسية أممية، داعمة لمختلف الحقائق والمعطيات التاريخية والأسانيد القانونية الموثقة لمغربية الصحراء، وفي سياق هذا التحول التاريخي غير المسبوق، صدر قرار ملكي يقضي بجعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا، ومناسبة يتفضل جلالته بإصدار عفوه السامي، في دلالة واضحة على قوة ومتانة هذا الفتح الدبلوماسي المبين، الذي أسقط جدار الانفصال عنوة، وانتصر لصحراء في مغربها ومغرب في صحرائه، وعجل بحتمية الطي النهائي لملف هذا الصراع المفتعل، بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكية بكل ثقلها على الخط؛
عبقرية الملك محمد السادس وذكاؤه الدبلوماسي وعمقه الاستراتيجي، تجسد علاوة على كل ما سلف، في إطلاق واحد من أقوى وأضخم المشاريع الطرقية في إفريقيا، ويتعلق الأمر بالطريق السريع تزنيت-الداخلة، الذي يعكس نظرة تنموية وجيواستراتيجية عميقة، ليس فقط كطريق حامل للتنمية والاستقرار والازدهار، بل كطريق وحدة وطنية يربط لحمة التراب الوطني ويقويها من طنجة عروس المتوسط إلى الداخلة جوهرة الأطلسي، ويقوي الصلات التاريخية والروحية والتجارية والثقافية للمملكة بعمقها الإفريقي، وسيخدم بما سيرتبط به من معابر طرقية نحو الجارة موريتانيا، أهداف ومقاصد مبادرة الأطلسي وتمكين البلدان الحبيسة في الساحل والصحراء من منفذ على المحيط الأطلسي، في تعبير حقيقي عن روح التعاون جنوب-جنوب في إطار مقاربة رابح – رابح؛
الطريق السريع المذكور سيحمل اسم “طريق دونالد ترامب” كما ورد قبل أيام، في تدوينة للرئيس الأمريكي، شكر من خلالها الملك محمد السادس على إطلاق اسم “ترامب” على البنية الطرقية الجديدة الرابطة بين تزنيت والداخلة على مسافة 1055 كلم، واصفا الخطوة بالشرف العظيم، معبرا عن أمله في السفر عبر هذا المحور الطريق العظيم يوما ما، بالقول “آمل أن يكون ذلك قريبا”، وقد أرفق ترامب تدوينته بمقطع فيديو قصير، استعرض الطريق والعلاقات المغربية الأمريكية، وذكر بأن المغرب كان أول دولة في العالم تعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1777م؛
تدوينة ترامب التي تناقلتها العديد من الوكالات ووسائل الإعلام العالمية، شكلت دعاية مجانية للمغرب، خادمة لصورة المملكة وإشعاعها الدولي، وداعمة لسيادة المغرب على صحرائه، وبالرجوع إلى مبادرة إطلاق اسم “ترامب” على الطريق السريع الجديد، فهي تعكس في شكلها ومضمونها، خطوة متبصرة مثمنـة للاعتراف التاريخي الأمريكي بمغربية الصحراء، وإشادة بشجاعة الرئيس “ترامب” في دعم قضية الوحدة الترابية للمملكة ومجهوداته الدافعة في اتجاه الطي النهائي للملف، واحتفاء بواحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية في العالم، وتثمينا للشراكة الاستراتيجية المتعددة الزوايا، الرابطة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكيــة، وبين هذا وذاك، فإطلاق اسم “ترامب” على هذا المشروع الطرقي الاستراتيجي، هو خدمة لسيكولوجية رئيس أمريكي يسعى إلى الإثارة والجدل وسرقة الأضواء، ورسالة قصيرة عاكسة لملك عبقري واستراتيجي، ودعاية صامتة للمغرب وصحرائه، ودعوة صريحة للشركاء من الأصدقاء والأشقاء، إلى الانخراط في قلب ما تشهده المملكة من دينامية تنموية واقتصادية ودبلوماسية، وفي صلب ما أطلقه عاهل البلاد، من مبادرات استراتيجية داعمة لإفريقيا آمنة وموحدة ومستقرة ومزدهرة، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يرتقي إلى مستوى “مشروع القرن”؛
وفي المجمل، فما تحقق في عهد الملك محمد السادس من مكاسب وفتوحات دبلوماسية مبينة داعمة لمغربية الصحراء، ومن أوراش اقتصادية واجتماعية وتنموية مفتوحة، دافعة في اتجاه اللحاق بركب البلدان الصاعدة، ومن مبادرات استراتيجية مكرسة لمملكة مغربية عريقة، تتحمل مسؤولياتها التاريخية والروحية والإنسانية في خدمة إفريقيا والأفارقة، ما هو إلا مرآة عاكسة لمؤسسة ملكية على جانب كبير من الذكاء والتبصر، أبلت البلاء الحسن في ملف الصحراء المغربية الذي يتجه نحو الطي النهائي، ووضعت البلاد على سكــة الإصلاح والتحديث والإقلاع التنموي الشامل، ونجحت في نسج وبناء علاقات دبلوماسية رصينة ومتوازنة مع قوى دولية وإقليمية وازنة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والاتحاد الأوربي والهند والبرازيل والخليج العربي، محكومة بضوابط الصداقة والأخوة والمسؤولية والمصداقية والتعاون والمصالح المشتركة، في سياق جيوسياسي دولي مطبوع بالحرب والصراع والخلاف واللايقيــــن، وكانت في صلب الأحداث والمتغيرات الدولية، بانخراط المغرب رسمياً في مجلس السلام كعضو مؤسس في شهر يناير من سنة 2026، للمساهمة في إحلال الاستقرار ودعم جهود إعادة الإعمار وإرساء الأمن الدولي، إسهاما منه في خدمة القضية الفلسطينية في هذه الظرفية الصعبة والشاقة، ودعم قضايا الأمن والسلم الدوليين؛
واليوم وفي غمرة احتفالات الشعب المغربي بعيد العرش المجيد في ذكراه السابعة والعشرين، وفي سياق ما تشهده المملكة من دينامية وأوراش تنموية مفتوحة استعدادا للعرس الكـــروي الأكبر في العالم سنة 2030، واستحضارا للمتغيرات التي تشهدها قضية الوحدة الترابية في أفق تنزيل الحكم الذاتي في جهة الصحراء المغربية، وجب توحيد الجبهة الداخلية، وتقوية التلاحم بين العرش والشعب، والتمسك الذي لا محيد عنه بثوابت الأمة الجامعــة، لمواصلة معركة الإصلاح والبناء والنماء والتحديث، وتحصين التراب الوطني واستكمال وحدته. وفي هذا الإطار، وبقدر ما نثمن ما تحقق من أعمال ومنجزات اقتصادية وتنموية ودبلوماسية، بقدر مانــرى حسب تقديرنا، أن المرحلة القادمة بما تحمله من رهانات وتحديات كبـــرى، تفـــرض بدائل وخيارات تنموية جديدة، قــادرة على توحيد سرعة قطار التنميــة، قياسا للقصور التنموي الذي تشهده الكثير من الجهات والمناطق، ما يجعل شرائح واسعة من المغاربة خـــارج نطاقات التنمية؛
وبلوغ هذا المسعى، يقتضي استراتيجية حقيقية، دافعة في اتجاه محاربة الفساد وإحكام الخنـــاق على الفاسدين والمتربصين بالمال العام، وتطبيق أمثل لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وفي هذا الإطار، وبما أننا في سنة انتخابية، فالأحزاب السياسية، لابد أن تتحمل مسؤولياتها المواطنة، لتكون في صلب ما هو منتظر من الرهانات والتحديات، بتخليق الحياة السياسية وتحصين الانتخابات، وتزكيـــة المترشحين الذين تتوفر فيهم شروط الخبرة والكفاءة والنزاهــة والاستقامة ونكــران الذات، بمعزل عن منطق الولاءات والمساومات والترضيات، والمواطن من جهته، لابد أن يعطي للعملية الانتخابية ما تستحقه من مسؤولية وشفافية ومصداقية، بالمشاركة في التصويت واختيار الأفضل والأصلح، ومهما قيل أو ما يمكن أن يقــــال، فمغرب اليوم والغد، في حاجة ماسة، إلى رجالات دولة ومسؤولين حقيقيين ووجوه جديدة، قــادرة على تقديم حلول تنموية حقيقية والاستجابة إلى ما يتطلع إليه عموم المواطنين، من تعليم وصحة وشغل وحياة كريمة، والانخراط الواعي والمسؤول، في صلب المشروع المجتمعي الحداثي الذي يقــوده قائد الأمة وموحدها ومهندس بنائها ونمائها، الملك محمد السادس حفظه الله وسدد خطاه.