الألباب المغربية/ عبد العزيز الخطابي
في هذا الوطن.. لم يعد البحر مجرد ماء.. بل صار صندوق اقتراع أخيرًا، من يخسر الأمل على اليابسة، يذهب ليصوّت للأمواج ومن ينجو من الغرق.. يعتقد أنه فاز في الانتخابات الوحيدة التي لم تشرف عليها الأحزاب.
فرح ابنة العرائش.. لم تعبر خمسة كيلومترات سباحة فقط، بل عبرت المسافة الفاصلة بين خطابٍ سياسي يَعِدُ بكل شيء وواقعٍ لا يمنح الشباب سوى الانتظار. وصلت إلى سبتة، رفعت شارة النصر وابتسمت. كان انتصارًا شخصيًا لها، لكنه في نظر كثيرين سؤالٌ ثقيل ألقته على شاطئ السياسة المغربية.
فرح ليست مجرمة ولا بطلة خارقة ولا تبحث عن مغامرة سينمائية، إنها رياضية مارست كرة القدم والكرة الطائرة واستُدعيت إلى تجمعات المنتخبات الجهوية والوطنية ومع ذلك بدا لها البحر أقل قسوة من اليابسة والموج أكثر رحمة من طوابير الانتظار.
قد يختلف الناس في تفسير ما حدث، فالهجرة ليست نتيجة سبب واحد، بل تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وسياسية.لكن من حق الرأي العام أن يسأل: لماذا أصبح البحر بالنسبة إلى بعض الشباب أقصر طريق إلى المستقبل؟
الأحزاب السياسية تتحدث كثيرًا عن الشباب.. حتى يخيل إليك أن الشباب يعيشون داخل البيانات الحزبية فقط. أما في الواقع، فكثير منهم يعيش بين البطالة وغلاء المعيشة وانسداد الأفق. وشعور متزايد بأن السياسة تتحدث عنه أكثر مما تستمع إليه.
البرلمان يواصل جلساته والخطب تتوالى والوعود تُعاد تدويرها كما تُعاد تدوير الشعارات في كل موسم انتخابي. أما البحر، فلا يحتاج إلى برامج انتخابية.. إنه يطلب فقط قلبًا يائسًا وجسدًا مستعدًا لمصارعة الموج.
والمفارقة المؤلمة أن سبتة التي يطالب المغرب بسيادتها عليها، أصبحت في مخيلة بعض الشباب عنوانًا لحياة أكثر كرامة.. ليست المسافة هي التي تغير الإنسان.. بل الشعور بأن حقوقه وفرصه قد تتغير.
ربما ليست الأزمة في الوطن، بل في الطريقة التي يُدار بها الأمل.. فالأوطان لا تُقاس بعدد الجسور والإسمنت.. بل بعدد الشباب الذين يستيقظون وهم مقتنعون بأن الغد يستحق الانتظار.
من السهل أن نطلب من الشباب الصبر.. لكن الأصعب أن نشرح لهم لماذا صار الصبر مهنةً بلا راتب.
ومن السهل أن نطالبهم بحب الوطن، لكن الوطن أيضًا يحتاج إلى أن يبادل أبناءه هذا الحب في صورة تعليم جيد وفرص عمل عادلة وعدالة اجتماعية وكرامة يشعر بها المواطن قبل أن يسمع عنها في الخطب.
ليست هذه المقال حكمًا على الجميع ولا اتهامًا بأن حزبًا أو حكومة وحدهما مسؤولان عن كل شيء.. لكنها دعوة إلى مساءلة السياسة عندما تتسع الفجوة بين الوعود والواقع.. وإلى إعادة التفكير في علاقة المؤسسات بالشباب.. لأن أزمة الثقة أخطر من أزمة الاقتصاد.
لقد رفعت فرح شارة النصر عندما وصلت إلى الضفة الأخرى، لكن السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع هو: متى يأتي اليوم الذي يرفع فيه شباب المغرب شارة النصر وهم باقون في وطنهم لا هاربون منه ؟
عندما تصبح شارة النصر تُرفع فوق أمواج البحر بدل أن تُرفع في ملاعب الوطن أو جامعاته. أو معاملِه أو مختبراته. فالمشكلة ليست في قدرة الشباب على السباحة… بل في عجز السياسة عن أن تمنحهم سببًا للبقاء.