الألباب المغربية/ محمد خلاف
لم يكن “فران الحي” في الفقيه بن صالح مجرد تجويف من طوب وإسمنت يلتهم الحطب، بل كان المفاعل الوجداني الذي يصهر أماني المدينة ويحولها إلى أرغفة تسند القلوب قبل البطون. في دروب “حي الرجاء” العتيق، وبين ثنايا “سيدي أحمد الضاوي” و”حي حفير”، كان الدخان المتصاعد من تلك المداخن العالية يمثل بوصلة الألفة، ورسالة طمأنة يومية تقول إن الحياة لا تزال بخير. قبل أن تغزو الآلات المعدنية الصماء مطابخنا، وقبل أن يتحول الخبز إلى سلعة باردة تُقتنى من الرفوف، كانت “الوصلة” الخشبية هي بطلة الملحمة اليومية، تسير في موكب جنائزي مهيب من العجين، لتعود في موكب عرس من القمح المحمر، محمولة على رؤوس الصبيان والنساء كتاج من ذهب.
كانت “الوصلة” في الفقيه بن صالح بمثابة الهوية، فعلى خشبها نُقشت حكايات العائلات؛ فهذه وصلة “الحاج عمر” الموشومة بعلامة فارقة، وتلك وصلة “ولاد عمي بوعزة” التي تفيض كرماً، ووصلة “لالة زهرة” التي تفوح منها رائحة النافع ….. والخباز، ذلك الكاهن القابع في محراب النار، لم يكن مجرد عامل يدوي، بل كان “الأنثروبولوجي” الأول للحي، يعرف أسرار البيوت من جودة طحينها، ويستشف أفراحهم من “قرص” العجين المزين بلمسات خاصة، ويلمس حزنهم في غياب “الوصلة” ليوم أو يومين. لقد كان أرشيفاً حياً يمشي على قدمين، يقرأ في عيون العجين ما لا تقوله الألسن، ويحفظ تضاريس الحي عبر “خميرة” البيوت التي كانت تنتقل من جارة إلى جارة كعهد مقدس.
أتذكرنا ونحن صغار، كيف كنا نناور لنتفادى حمل “الوصلة” الثقيلة وهي في طريقها إلى الفرن، لكننا في طريق العودة نتحول إلى حراس مخلصين، نسابق الريح لنستنشق بخار الخبز الساخن الذي يختلط برائحة حطب الزيتون المبارك، تلك الرائحة التي تسكر الحواس وتوقظ في الروح جوعاً وجودياً لا يشبعه إلا “دغمة” نسرقها من حافة الرغيف المحمر. وفي تلك الساعات الحارقة من زوال الفقيه بن صالح، حين يبلغ الهجير ذروته وتصبح الشمس سوطاً على الرؤوس، كان الزحام أمام “فم النار” يمثل اختباراً للصبر والانتماء. هناك، يقف الخباز كعملاق أسطوري، وجهه المتصبب عرقاً يلمع تحت وهج اللهب، وبحركات سينمائية مذهلة يرمي مئات الخبزات في جوف النار، ثم يعيد كل واحدة منها إلى صاحبها بدقة جراح لا يخطئ أبداً. كيف كان يفرق بين أرغفة الحي المتشابهة؟ ظل ذلك بالنسبة لنا لغزاً يفوق الخيال، وسرّاً من أسرار “البركة” التي كانت تسكن أصابعه الخشنة.
وفي ليالي الأعياد، كان الفرن يتحول إلى مسرح للدراما والجمال، حيث تصبح المدينة كلها رهينة لمزاج “الفران”. رائحة “الغريبة” المنصهرة بالسمن، و”الفقاص” الذي يتحدى النار بصلابة، كانت تخلق جوقة موسيقية من الروائح التي تعبر الأزقة وتدخل البيوت دون استئذان. ورغم هذا الجهد الخرافي، كان الخباز يحمل على ظهره عبء الجحود، متمثلاً في ذلك المثل القاسي: “وجهه للنار، وظهره للعتاب والعار”. كان هو كبش الفداء لأي رغيف “خطفته” النار أو تأخر في النضج، صابراً على تذمر الأمهات وصياح الصبيان، محترقاً في صمت ليظل “الخبز البلدي” ملكاً على موائدنا.
اليوم، ومع صمت تلك المداخن في الفقيه بن صالح، نشعر أن جزءاً من روحنا قد انطفأ؛ فالفران الذي يجلس الآن على عتبة بيته كجندي مسرح من الخدمة، لا يراقب المارة فحسب، بل يراقب عصراً من “النية” والبركة يتبخر أمام عينيه، تاركاً خلفه قصصاً تروى للأجيال عن زمن كان فيه للرغيف طعم الكرامة، وللدخان رائحة الانتماء.