الألباب المغربية/ د. حسن شتاتو
منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى واجهة المشهد السياسي المغربي، قدّم نفسه باعتباره حزباً ذا مرجعية إسلامية أخلاقية، يحمل مشروع الإصلاح ومحاربة الفساد والاستبداد. غير أن مسار الحزب في السلطة كشف، في نظر كثير من المتابعين، مفارقة صارخة بين خطاب المبادئ وممارسة الحكم، إلى درجة أن الحزب أصبح يُصنّف ضمن التيار البراغماتي المتأثر فكرياً بمدرسة الإخوان المسلمون، حيث يتم توظيف الخطاب الأخلاقي كوسيلة للوصول، ثم إعادة تأويله كأداة للبقاء.
التطبيع: عندما يوقع الرافضون بأيديهم
لعلّ أبرز تجليات هذا التناقض تمثلت في توقيع رئيس الحكومة آنذاك، سعد الدين العثماني، على اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل سنة 2020، برعاية الولايات المتحدة، ضمن ما عُرف باتفاقيات أبراهام.
هذا التوقيع شكّل لحظة سياسية فارقة، لأن الحزب نفسه بنى جزءاً كبيراً من رصيده الرمزي على خطاب رفض التطبيع واعتباره خروجاً عن الإجماع الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية.
وجد الحزب نفسه أمام اختبار أخلاقي حاسم، فاختار التوقيع بدل الرفض، والتبرير بدل الانسجام، والبقاء في السلطة بدل الوفاء لخطابه السياسي.
بنكيران: من نقد البيعة إلى تمجيدها
الأمين العام السابق للحزب، عبد الإله بنكيران، قدّم نموذجاً آخر لتحولات الخطاب. فقد انتقل من مواقف حملت نبرة نقدية تجاه طبيعة السلطة ومفهوم البيعة، إلى موقع المدافع عنها والمشيد بها، بل والمعتبر لها ضمانة للاستقرار.
هذا التحول لم يُفهم لدى كثيرين كتطور فكري طبيعي، بل كتكيف سياسي فرضته ضرورات الموقع، حتى وإن كان الثمن هو التراجع عن مواقف سابقة.
والأكثر دلالة أن بنكيران كان قد أعلن استعداده “لتسليم المفاتيح” إذا لم يتمكن من الحكم وفق مبادئه، لكن الواقع كشف أن المفاتيح لم تُسلَّم، بينما تم تعديل المبادئ لتنسجم مع الواقع.
القدرة الشرائية: كلفة الإصلاح أم كلفة التنازل؟
خلال عقد من قيادة الحكومة، أشرف الحزب على قرارات اعتُبرت ذات أثر مباشر على القدرة الشرائية للمغاربة، من أبرزها:
-إصلاح نظام التقاعد
-تحرير أسعار المحروقات
-تجميد الأجور في قطاعات متعددة
وقدمت هذه الإجراءات باعتبارها إصلاحات ضرورية، لكنها عمّقت الشعور بأن كلفة “الإصلاح” تحمّلتها الفئات المتوسطة والضعيفة، بينما لم يتحقق بنفس القوة شعار محاربة الفساد.
من محاربة الفساد إلى الاندماج في منطق السلطة
رفع الحزب منذ تأسيسه شعار “محاربة الفساد والاستبداد”، لكن تجربة الحكم أظهرت أنه أصبح جزءاً من نفس البنية السياسية التي كان ينتقدها.
كما لاحظ الرأي العام أن بعض رموزه انتقلوا من وضع اجتماعي عادي إلى وضع مادي مريح بعد تولي المسؤوليات، وهو ما غذّى الانطباع بأن الحزب لم ينجح في الحفاظ على صورته كاستثناء أخلاقي، بل اندمج تدريجياً في منطق الامتيازات الذي كان ينتقده.
براغماتية بلا سقف
تجربة حزب العدالة والتنمية تطرح سؤالاً عميقاً حول طبيعة الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية عندما تصل إلى السلطة:
هل تظل وفية لخطابها، أم تعيد صياغته وفق متطلبات البقاء؟
في الحالة المغربية، يبدو أن الحزب اختار البراغماتية إلى أقصى حدودها، حتى عندما اقتربت من التناقض مع خطابه الأصلي.
لقد انتقل الحزب من موقع “المعارض الأخلاقي” إلى موقع “الفاعل التبريري”، ومن قوة احتجاج إلى قوة تكيّف، ومن مشروع تغيير إلى تجربة اندماج.
هل يتعافى الحزب… أم يتكرر الدرس؟
اليوم، تشير مؤشرات سياسية إلى أن الحزب يحاول استعادة عافيته السياسية، مستفيداً من حالة التذمر الاجتماعي من أداء أحزاب تقود الحكومة الحالية، وعلى رأسها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، والتي يتهمها قطاع من المواطنين بتعميق إنهاك القدرة الشرائية للمغاربة في ظل موجات الغلاء المتتالية.
في هذا السياق، قد يجد حزب العدالة والتنمية فرصة لاستعادة جزء من قاعدته الانتخابية، ليس بالضرورة بسبب تجديد مشروعه أو مراجعة أخطائه، بل نتيجة فقدان الثقة في البدائل.
غير أن ما يثير الانتباه أيضاً هو طبيعة القاعدة الصلبة للحزب، التي تبدو، في نظر منتقديه، قاعدة شديدة الانغلاق على قناعاتها، ترى الصواب في الحزب وحده، وتتعامل مع النقد باعتباره استهدافاً، وتقدّم في بعض الأحيان مصلحة التنظيم على النقاش الموضوعي للمصلحة العامة.
السؤال المؤجل: هل يسقط الناخب في الفخ مرة أخرى؟
بعد كل ما حدث، يظل السؤال الجوهري معلقاً:
هل سيمنح الناخب المغربي ثقته مرة أخرى لحزب سبق أن اختبره في السلطة؟
وهل يتعلق الأمر بذاكرة سياسية قصيرة، أم بأزمة بدائل، أم بقدرة الحزب على إعادة تسويق نفسه؟
لقد أثبتت التجربة أن الخطاب الأخلاقي وحده لا يكفي، وأن الشعارات، مهما كانت جاذبيتها، تُختبر بميزان الممارسة.
وفي النهاية، يبقى القرار بيد الناخب المغربي:
إما أن يتعامل مع السياسة بمنطق التقييم والمحاسبة،
أو أن يسمح بإعادة إنتاج نفس التجارب تحت عناوين جديدة.