الألباب المغربية / بدر شاشا
لم تعد المقاهي في المغرب مجرد فضاءات للراحة أو لقاء الأصدقاء كما كانت في السابق، بل تحولت في العديد من المدن إلى أماكن يقضي فيها عدد كبير من الشباب العاطل ساعات طويلة من يومهم، في انتظار فرصة عمل قد لا تأتي بسرعة، أو هروباً من واقع اقتصادي واجتماعي ضاغط.
هذا التحول في وظيفة المقهى يعكس بعمق أزمة البطالة التي يعاني منها الشباب، حيث يصبح الجلوس المتكرر في هذه الفضاءات نوعاً من التعويض النفسي عن الفراغ الكبير الذي تتركه قلة فرص الشغل. ومع مرور الوقت، تتحول بعض المقاهي إلى فضاءات يغلب عليها التوتر والضياع، بدل أن تكون مكاناً للحوار الإيجابي أو الإنتاج الفكري والاجتماعي.
ومن الظواهر التي أصبحت أكثر انتشاراً داخل هذه الفضاءات، الإقبال على القمار والمراهنات، سواء التقليدية أو الإلكترونية، حيث يجد بعض الشباب في ذلك محاولة سريعة للهروب من الفقر أو تحقيق ربح سريع. لكن هذه الممارسات غالباً ما تنتهي بخسائر مالية أكبر، وتزيد من تعميق الأزمة النفسية والاجتماعية لديهم، وتدفع البعض إلى دوامة من الإدمان على الترقب والخسارة.
كما أن هذا الواقع لا ينعكس فقط على الفرد، بل يمتد تأثيره إلى داخل الأسر، حيث تظهر مشاكل أسرية مرتبطة بالبطالة والضغط النفسي وانعدام الاستقرار المالي. في كثير من الحالات، تتفاقم التوترات داخل البيت بسبب الإحباط واليأس، مما يؤدي إلى انقطاع التواصل الأسري أو ضعف الروابط بين أفراد الأسرة.
على المستوى النفسي، يعاني العديد من الشباب من مشاعر التحسر على “الأيام الماضية” وعلى الفرص التي ضاعت، مع شعور متزايد بعدم الجدوى أو فقدان الاتجاه. هذا الوضع قد يقود إلى العزلة أو الانسحاب الاجتماعي أو حتى اضطرابات نفسية متفاوتة الخطورة، خاصة في غياب الدعم النفسي والمؤسساتي الكافي.
ورغم هذا المشهد القاتم، تبقى المقاهي أيضاً فضاءات للتلاقي وتبادل الأفكار وبناء العلاقات الاجتماعية، لكنها تحتاج إلى إعادة توجيه هذا الدور نحو الإيجاب، عبر خلق مبادرات شبابية، أو فتح نقاشات ثقافية، أو دعم أنشطة بديلة تعيد للمقهى وظيفته الاجتماعية البناءة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون فقط أمنية أو سطحية، بل تتطلب سياسات عمومية حقيقية لمحاربة البطالة، ودعم الصحة النفسية، وفتح آفاق أوسع للشباب في التعليم والتكوين والمبادرة الاقتصادية، حتى لا يبقى المقهى هو “الوجهة الوحيدة” في حياة جيل كامل يبحث عن معنى وفرصة.