الألباب المغربية/ أحمد زعيم
في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، وتوالي النشرات الإخبارية الإنذارية بمجموعة من المدن المغربية بسبب التساقطات المطرية والعواصف، بدأت ساكنة الفقيه بن صالح تكتشف متأخرة كالعادة ملفات وصفقات كانت تمر في صمت مطبق، من بينها التغييرات التي طالت تصميم التهيئة و”التصميم الفراغي”، هذا المفهوم الذي حُول من خط دفاع إستراتيجي إلى مجرد تفصيل ثانوي في دفاتر المشاريع.
المدينة، بحكم موقعها الجغرافي المنخفض، تستقبل كميات مهمة من مياه الأمطار القادمة من المرتفعات المجاورة، خصوصا من إتجاه أبي الجعد ووادي زم ونواحي أولاد ساسي… وهنا تتجلى الوظيفة الحيوية لقنوات تصريف المياه، التي يفترض أن تجمع السيول القادمة من هذه المناطق وتوجهها عبر مسارات مدروسة نحو المجاري الطبيعية أو خارج المدار الحضري، بما يحد من الفيضانات ويحمي الأحياء والممتلكات من الغرق. غير أن هذه القنوات، التي كانت تمثل جوهر “التصميم الفراغي”، إذا جاز هذا التعبير، حُذف جزء كبير منها من التصاميم أو طُمر تحت الإسمنت في هدوء يليق بعمليات الدفن الإداري للأخطاء.
ومع عودة التساقطات المطرية إلى طبيعتها، صار الجميع يتذكر القنوات المدفونة، والمجاري المختنقة، والأحياء التي شُيدت فوق “الفراغات” بكل ما تحمله العبارة من سخرية مرة، وكأن السماء كانت قد وقعت معنا عقد إلتزام بعدم إنزال المطر مستقبلا. اليوم، يكفي أن تستعيد الأمطار إيقاعها العادي لتحويل الشوارع إلى مسابح مفتوحة وبرك مائية متناثرة، لا ينقصها سوى الإوز ودجاج الماء.
في خضم هذا الجدل، كشفت تدوينات غاضبة وساخرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن حجم الإحتقان الشعبي إزاء ما يعتبره المواطنون “جريمة في حق المدينة”. كما تقدمت الشبكة المغربية لحقوق الإنسان والرقابة على الثروة وحماية المال العام بملتمسات إلى الجهات المعنية من أجل إحداث لجنة تقصي وفتح تحقيق في ملف طمر قنوات تصريف الفيضانات، معتبرة أن ما وقع لا يمكن اعتباره خطأ تقنيا عابرا بل اختلالا بنيوياً في تدبير المجال الحضري.
وتساءل العديد من المواطنين والإعلاميين والحقوقيين، في تدوينات لاذعة، عن مصير قنوات تصريف الفيضانات “الفراغات”، من بينها:
“نقط على الحروف: تصريف مياه الأمطار… الفراغة. الجواب هو غياب أو تغييب تصميم التهيئة بالفقيه بن صالح للوقوف على الكارثة؟” الميلودي الرايف.
“أعيدوا لنا الفراغة كما تركها الفرنسيون قبل حدوث الكارثة” محمد زراري.
“الفراغات بإقليم الفقيه بن صالح المخصصة للأمطار الطوفانية إلا قدر الله… فين هي؟ وفين هي؟ واش سرطتهم الضابوحا؟ سولوش عليهم؟!” حبيب سعداوي.
الساكنة، إلى جانب المجتمع المدني والحقوقي والإعلامي، الذين وُصفوا طويلا بالمبالغة كلما دقوا ناقوس الخطر، لم يعودوا يطالبون بالترقيع ولا بالحلول المؤقتة، بل بإعادة الاعتبار لـ”التصميم الفراغي” فورا، لأن المدينة لم تعد في حاجة إلى مزيد من الأرصفة اللامعة، بل إلى شرايين تتنفس وتصريف يحترم قوانين الطبيعة لا أهواء الإسمنت الذي التهم الحزام الأخضر وطمر قنوات تصريف الفيضانات.
وأمام هذا الواقع، تفرض أسئلة نفسها بإلحاح: هل استعدت الجهات المختصة والجماعات الترابية والإقليمية والجهوية والوقاية المدنية فعلا لمواجهة هذه السيناريوهات؟ هل جرى توفير الآليات والمعدات ووضع مخططات إستباقية وإيفاد لجان للتقصي والتحقيق في الخروقات المرتبطة بهذا الملف؟ أم سنواصل سياسة الدعاء للجفاف بدل صلوات الإستسقاء، فقط لتأجيل الحديث عن التخطيط والتصميم والكوارث التي لا تُدرس في المدارس ولا تُناقش في الندوات والمهرجانات التي تُصرف عليها أموال طائلة من المال العام؟
فإما أن نعيد للتخطيط اعتباره، أو نواصل سياسة “دفن المشكل وانتظار المطر”، وحينها لن نحتاج إلى نشرات إنذارية… ستتكفل الشوارع بإيصال الخبر مباشرة إلى عتبات البيوت.