الألباب المغربية/ محمد أمين
في زمنٍ أصبح فيه الحكم على المواقف يتم بمنطق “مع من أنت؟” بدل “ما هو الصحيح؟”، بات المجتمع يعيش حالة غريبة من التناقض، حتى صرنا نرى من كان بالأمس يشتكي بحرقة من الغلاء والمضاربة، يتحول فجأة إلى منظّر اقتصادي يشرح للناس قوانين السوق الحرة والعرض والطلب، فقط لأن السلطة تدخلت لحماية المواطن البسيط من جشع بعض المضاربين.
إن ما وقع يكشف بوضوح عن أزمة حقيقية في الوعي المجتمعي، حيث أصبحت بعض المواقف تُبنى على العاطفة والانتماءات الضيقة أكثر مما تُبنى على المبادئ. فحين يرتفع ثمن المواد الأساسية أو الأضاحي بشكل غير منطقي، يعلو الصراخ وتكثر الشكاوى، لكن ما إن تتحرك السلطة المحلية لمحاولة ضبط الوضع وحماية القدرة الشرائية للمواطن، حتى يخرج علينا البعض بخطابات متناقضة، وكأن الدفاع عن المواطن صار تهمة، وكأن ترك الأسواق للفوضى والجشع أصبح مرادفًا للحرية الاقتصادية!
المثير للاستغراب أن البعض يتحدث عن العرض والطلب وكأننا أمام بورصة عالمية أو سوق استثمار دولي، بينما الحقيقة أن الأمر يتعلق بأسواق شعبية يقصدها مواطن بسيط، أنهكته الظروف المعيشية، ويبحث فقط عن أضحية تدخل الفرحة إلى بيته وأطفاله. فهل يعقل أن تتحول مناسبة دينية واجتماعية إلى فرصة للافتراس والمضاربة والربح الفاحش دون أي حس إنساني أو وطني؟
إن دور السلطة المحلية لم يكن يومًا معاداة للتجار أو تدخلاً عبثيًا، بل هو جزء من مسؤوليتها في حفظ التوازن وحماية السلم الاجتماعي. فحين تنزل السيدة القائدة أو رجال السلطة إلى الميدان، تاركين المكاتب المكيفة، فهم لا يقومون باستعراض أو بحث عن “البوز”، بل يمارسون واجبهم المهني والوطني في مراقبة الأسواق ومحاولة الحد من التجاوزات التي تضر بالمواطن.
ومن الظلم اختزال هذا الجهد في حملات سخرية أو تشويه، لأن من يشتغل في الميدان ويحتك يوميًا بمعاناة الناس، يدرك حجم الضغط الاجتماعي الذي يسببه الغلاء والاحتكار والمضاربة. كما أن احترام مؤسسات الدولة ورجال السلطة لا يعني تبرير الأخطاء، بل الاعتراف كذلك بالمجهودات الإيجابية حين تكون في مصلحة المواطنين.
إن المجتمع الذي يهاجم الغلاء ثم يهاجم من يحاول الحد منه، هو مجتمع يحتاج إلى مراجعة عميقة لطريقة تفكيره وتفاعله مع القضايا العامة. فالمواقف لا يجب أن تتغير بتغير الأشخاص، بل يجب أن تبقى مرتبطة بالمبدأ: حماية المواطن، محاربة الجشع، والدفاع عن العدالة الاجتماعية.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء وعي جماعي متوازن، يفرق بين النقد المسؤول وبين التناقض الذي يحول كل قضية إلى صراع فارغ، وينسى فيه الجميع جوهر المشكلة: المواطن البسيط الذي يريد فقط أن يعيش بكرامة.