الألباب المغربية/ عبد العزيز الخطابي
إن أحد الإشكالات الكبرى في كتابة تاريخ المغرب الإسلامي يتمثل في الميل إلى اختزال مسار تاريخي طويل في لحظة عسكرية واحدة. فالرواية التقليدية. التي تشكلت في ظل الدولة الإسلامية الوسيطة. ربطت بين الفتح وبين الأسلمة. حتى بدا الأمر وكأن المجتمع المغربي اعتنق الإسلام بمجرد دخول الجيوش الإسلامية إليه. غير أن التاريخ الاجتماعي يقدم صورة أكثر تعقيدًا.
فالمجتمعات لا تغير معتقداتها وهياكلها الثقافية بقرار سياسي أو بانتصار عسكري. إن تحول العقائد يحتاج إلى زمن طويل. وإلى مؤسسات تعليمية. وإلى شبكات من العلماء والقضاة والدعاة. وإلى اندماج الدين الجديد في البنية الاقتصادية والاجتماعية. وهذه كلها عمليات لم تتحقق في المغرب خلال العقود الأولى من الفتح. وإنما نضجت تدريجيًا على امتداد القرنين الثاني والثالث للهجرة.
ويؤكد ابن خلدون هذه الحقيقة عندما يلاحظ أن القبائل الأمازيغية دخلت الإسلام. ثم ارتدت عنه في بعض المراحل. ثم عادت إليه مرة أخرى حتى استقر في نفوسها. وليس المقصود من هذه الرواية التشكيك في إسلام تلك القبائل. وإنما بيان أن التحول الديني لم يكن لحظة واحدة. بل كان سيرورة تاريخية طويلة تداخل فيها العامل الديني مع السياسي والقبلي والاقتصادي.
ومن هنا. فإن ثورة البربر لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها ثورة ضد الإسلام. وإنما كانت في جوهرها ثورة ضد السياسات الأموية التي ميزت بين العرب والموالي. وفرضت ضرائب وممارسات رأت فيها القبائل الأمازيغية خروجًا عن مبادئ الإسلام التي اعتنقتها. ولهذا رفعت كثير من القبائل شعارات دينية. وانضمت إلى المذاهب الخارجية. لأنها رأت فيها دعوة إلى المساواة والعدل. لا لأنها أرادت هدم الإسلام نفسه.
- من الإسلام القادم إلى الإسلام المغربي
بعد انحسار السلطة الأموية، بدأ الإسلام في المغرب يتحول من دين ارتبط بسلطة خارجية إلى دين تنتجه المؤسسات المحلية. وهنا تكمن اللحظة المؤسسة في التاريخ المغربي.
فقد ظهرت مراكز علمية جديدة. وانتشر القضاء الشرعي وبدأ الفقه المالكي يرسخ حضوره. كما نشأت دول تستمد شرعيتها من الإسلام لكنها لم تكن تابعة سياسيًا للمشرق. ومع الدولة الإدريسية، ثم مع المرابطين والموحدين. أصبح المغرب فاعلًا في العالم الإسلامي. لا مجرد طرف يتلقى التأثيرات القادمة من الشرق.
إن هذه المرحلة هي التي صنعت ما يمكن تسميته بـ«الإسلام المغربي» وهو ليس إسلامًا مختلفًا في أصوله عن بقية العالم الإسلامي. وإنما هو تجربة تاريخية تشكلت في بيئة مغربية . وامتازت بخصائصها السياسية والمذهبية والثقافية.
ولعل أهم ما يميز هذه التجربة أنها لم تقطع صلتها بالمشرق. لكنها لم تبقَ أسيرة له أيضًا. فقد أخذ المغاربة العلوم من الحجاز والعراق والقيروان. ثم أعادوا إنتاجها وفق حاجات مجتمعهم. حتى أصبحت فاس ومراكش وسجلماسة مراكز علمية تنافس كبريات حواضر العالم الإسلامي.
- الأمازيغ من موضوع للفتح إلى صناع للتاريخ
لعل أعظم تحول عرفه المغرب الإسلامي هو انتقال القبائل الأمازيغية من موقع المقاومة العسكرية إلى موقع صناعة التاريخ الإسلامي نفسه.
ففي القرن الأول الهجري كانت هذه القبائل تقاتل دفاعًا عن استقلالها السياسي. أما بعد قرنين فقط فقد أصبحت هي التي تؤسس الدول. وتقود الجيوش. وتحمي الثغور. وتنشر الإسلام في الأندلس والصحراء الكبرى.
إن هذه الحقيقة تقوض التصور الذي يجعل الأمازيغ مجرد شعوب خضعت للفتح. كما ترفض في الوقت نفسه القراءة التي تنفي دور الفاتحين القادمين من المشرق. فالتاريخ لا يعرف هذه الثنائيات الحادة. بل يعرف التفاعل والتراكم وإعادة البناء.
ولذلك فإن المغرب الإسلامي لم يكن ثمرة العرب وحدهم، ولا ثمرة الأمازيغ وحدهم. بل كان نتاج التقاء حضارتين داخل إطار الإسلام. ومن هذا التفاعل ولدت شخصية تاريخية جديدة. استطاعت أن تبني دولًا قوية. وأن تنتج فقهًا وعمرانًا وفكرًا امتد أثره قرونًا.
إن أسلمة المغرب لم تكن نهاية الفتح. بل كانت بداية تاريخ جديد. ومنذ تلك اللحظة لم يعد المغرب هامشًا للعالم الإسلامي. بل أصبح أحد مراكزه الكبرى، يشارك في صناعة الأحداث بدل الاكتفاء باستقبالها.