الألباب المغربية/ د. حسن شتاتو
يتردد بين الحين والآخر من يزعم أن الذهاب إلى الحمام المغربي مرة كل أسبوع يضر الجلد ويؤدي إلى إتلافه، بل إن بعض من يقدمون أنفسهم على أنهم مختصون في الأمراض الجلدية يطلقون هذا الحكم على إطلاقه، دون تفصيل أو تفسير لآلية عمل الجلد وتجدد خلاياه.
والحقيقة أن العلم لا يبنى على الانطباعات، وإنما على فهم تشريح الجلد ووظائفه وآليات تجديده.
- الجلد… معجزة تتجدد باستمرار
الجلد هو أكبر عضو في جسم الإنسان، ويؤدي وظائف حيوية عديدة، أهمها حماية الجسم من الجراثيم والمواد الضارة، وتنظيم درجة الحرارة، والإحساس باللمس والألم والحرارة.
ويتكون الجلد من ثلاث طبقات رئيسية:
– البشرة (Epidermis) وهي الطبقة السطحية.
– الأدمة (Dermis) وهي الطبقة العميقة التي تحتوي على الأوعية الدموية والأعصاب والغدد وبصيلات الشعر.
– النسيج الدهني تحت الجلد (Subcutis).
- البشرة ليست طبقة واحدة
البشرة نفسها تتكون من عدة طبقات، أهمها الطبقة القاعدية الموجودة في الأسفل، حيث تنقسم الخلايا باستمرار لتكوين خلايا جديدة.
ثم تبدأ هذه الخلايا رحلة بطيئة نحو سطح الجلد تستغرق في المتوسط حوالي 28 يوماً لدى البالغين الأصحاء.
وخلال هذه الرحلة تمتلئ الخلايا بمادة الكيراتين، ثم تموت تدريجياً وتتحول إلى خلايا قرنية مسطحة تشكل الطبقة الخارجية الواقية.
وعندما تصل إلى السطح تكون قد فقدت نواتها ولم تعد خلايا حية، بل أصبحت مجرد خلايا ميتة تؤدي وظيفة الحاجز الواقي، ثم تسقط تلقائياً ليحل محلها غيرها.
ماذا يحدث أثناء “التكياس” أو الفرك؟
السؤال الذي يغيب عن كثيرين هو: ما الذي نزيله عندما نفرك الجلد في الحمام؟
الجواب العلمي واضح: لا نقوم بإزالة الجلد الحي، وإنما نزيل أساساً:
* الخلايا الميتة الموجودة في الطبقة القرنية.
* الدهون المتراكمة.
* بقايا العرق.
* الأوساخ الدقيقة.
* بقايا مستحضرات التجميل.
* بعض الكائنات الدقيقة الموجودة على السطح.
أما الخلايا الحية الموجودة في الطبقات العميقة فلا تصل إليها عملية الفرك المعتدلة.
ولهذا تظهر أثناء استعمال “الكيس” أو قفاز الحمام كتل صغيرة داكنة يظن البعض أنها “جلد حي”، بينما هي في الحقيقة مزيج من الخلايا الميتة والدهون والأوساخ المتراكمة.
لماذا لا يضر الحمام الأسبوعي الجلد؟ لأن الجلد صُمم أصلاً ليجدد نفسه باستمرار.
فالطبقة الخارجية التي تزال أثناء الفرك هي طبقة ميتة تتبدل بشكل طبيعي كل أربعة أسابيع تقريباً.
ومن ثم، فإن إزالة جزء من هذه الخلايا الميتة مرة واحدة أسبوعياً لا تعني إزالة الجلد نفسه، بل تساعد أحياناً على التخلص من التراكمات التي كان الجسم سيتخلص منها تدريجياً.
ولهذا يشعر معظم الناس بعد الحمام بنعومة الجلد وتحسن ملمسه.
متى يصبح الفرك ضاراً ؟ الضرر لا ينتج عن الحمام في حد ذاته، وإنما عن المبالغة وسوء الممارسة.
فقد يسبب الفرك مشاكل إذا كان:
* عنيفاً جداً حتى يحدث خدوشاً في الجلد.
* يتكرر عدة مرات في الأسبوع دون حاجة.
* يتم على جلد مصاب بالأكزيما أو الصدفية أو الالتهابات.
* يترافق مع ماء شديد السخونة ومنظفات قوية تزيل الزيوت الطبيعية بالكامل.
في هذه الحالات قد تتأثر وظيفة الحاجز الجلدي، ويحدث جفاف أو تهيج.
أما الحمام الأسبوعي المعتدل لدى الشخص السليم، فلا توجد أدلة علمية قوية تثبت أنه يسبب ضرراً بحد ذاته.
- بين العادة المغربية والعلم
الحمام المغربي تقليد عريق يجمع بين النظافة والاسترخاء والعناية بالجسم.
وعندما يمارس باعتدال، مع تجنب الفرك العنيف واستعمال مرطب بعد الانتهاء، فإنه يتوافق مع الفهم العلمي لوظيفة الطبقة السطحية من الجلد.
ومن الخطأ تحويل حالات خاصة – مثل مرضى الأكزيما أو أصحاب البشرة شديدة الحساسية – إلى قاعدة عامة تنطبق على جميع الناس.
إن الادعاء بأن الحمام الأسبوعي مضر بالجلد بإطلاق هو تبسيط مخل لا ينسجم مع علم وظائف الجلد.
فالجلد عضو متجدد باستمرار، والطبقة التي تزال أثناء الفرك تتكون في معظمها من خلايا ميتة انتهت وظيفتها الطبيعية.
والأدق علمياً أن يقال: الحمام الأسبوعي المعتدل ليس ضاراً لمعظم الأصحاء، بينما قد تصبح الممارسة مؤذية إذا كانت مفرطة أو عنيفة أو عند وجود أمراض جلدية تستوجب عناية خاصة.
وهكذا يبقى الحكم الطبي الصحيح قائماً على التوازن، لا على التهويل ولا على إطلاق الأحكام دون فهم لتشريح الجلد وآليات تجدده.