الألباب المغربية/ د. حسن شتاتو
حين تتحول الصحافة إلى بوق للعلاقات العامة وتُهدر كفاءات الوطن..
هناك لحظات يكون فيها الصمت خيانة، والمجاملة إساءة إلى الوطن، والتطبيل مشاركة في تكريس الرداءة. ومن هذا المنطلق، كان لزاما أن نقف عند المقال الذي نشرته أحد المواقع المعروفة بمناسبة توديع القنصل العام للمملكة المغربية بمدينة روتردام، لأنه لم يكن مقالا صحفيا بالمعنى المهني، بل بدا أقرب إلى بيان دعائي كُتب لإرضاء أشخاص أكثر من حرصه على إخبار الرأي العام بالحقيقة.
فالصحافة ليست وكالة لتنظيم حفلات التكريم، ولا منصة لتوزيع الأوسمة المعنوية، وإنما هي سلطة رقابية، تقيّم، وتسائل، وتنقد، وتوازن بين الإيجابيات والسلبيات.
أما أن يتحول المقال إلى سيل من عبارات المديح، وكأن القنصلية العامة بروتردام كانت نموذجا مثاليا لا تشوبه شائبة، فذلك لا يخدم الحقيقة، ولا يخدم الدولة، ولا يحترم ذاكرة الجالية المغربية التي عايشت الواقع بكل تفاصيله.
أين المهنية ؟
قرأنا في المقال كلمات من قبيل: الإخلاص، التفاني، المسؤولية، الالتزام، الثقافة، الاعتراف… لكننا لم نجد سطرا واحدا يجيب عن الأسئلة التي تهم المغاربة:
* ماذا تحقق فعلا خلال هذه السنوات ؟
* هل تحسنت الخدمات القنصلية بالقدر الذي يستحق كل هذا الاحتفاء ؟
* ماذا عن شكاوى المواطنين ؟
* ماذا عن الانتظار الطويل ؟
* ماذا عن ضعف التواصل ؟
* ماذا عن العلاقة مع النخب المغربية في هولندا ؟…. كل ذلك غاب، وحضر فقط التصفيق.
إن الصحافة التي تخشى طرح الأسئلة الصعبة ليست صحافة، بل دعاية.
تكريم بلا معايير… وإقصاء يثير علامات الاستفهام الأكثر غرابة أن المقال لم يكتف بالإشادة بالقنصل العام، بل وزع شهادات حسن السيرة على عدد من الموظفين، وكأن أداءهم محل إجماع.
والحال أن عددا من أبناء الجالية كانت لهم ملاحظات وانتقادات متكررة حول أداء بعض هؤلاء الموظفين، سواء من حيث جودة الخدمة أو أسلوب التواصل أو التعامل مع المواطنين.
وفي المقابل، تم تجاهل اسم موظف يشهد له كثير من أفراد الجالية بالنزاهة والكفاءة وحسن الأخلاق.
وإذا صح ما تم تداوله بأن سبب هذا الإقصاء يعود إلى خلافات شخصية، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة، لأن التكريم يفقد قيمته عندما يخضع للأهواء الشخصية بدل معيار الاستحقاق.
إن الدولة لا تُدار بالمزاج، ولا يُكتب تاريخ مؤسساتها بمنطق تصفية الحسابات.
المشكلة ليست في الأشخاص… بل في طريقة الاختيار.. لنكن صرحاء مع أنفسنا.
المشكلة لا تبدأ عند هذا القنصل أو ذاك الموظف، وإنما تبدأ منذ لحظة التعيين.
كيف يمكن أن يمثل المغرب في الخارج مسؤول لا يتقن لغة البلد الذي يعمل فيه؟
كيف يمكنه أن يفهم قوانينه، ومؤسساته، وثقافته، وإعلامه، ومجتمعه، وهو يحتاج إلى مترجم حتى في أبسط الحوارات؟
كيف يمكنه أن يفهم مشاكل الجالية وهو عاجز عن فهم المجتمع الذي تعيش فيه؟
إن اللغة ليست ترفا.. إنها أداة عمل، بل هي نصف الدبلوماسية.. أما النصف الآخر فهو الثقافة والمعرفة.
ومن يفتقد الاثنين، مهما حمل من ألقاب، سيظل محدود الفعالية.
الدبلوماسية ليست بروتوكولا… إنها علم وفكر.
الدبلوماسي في القرن الحادي والعشرين ليس موظفا يلتقط الصور في حفلات الاستقبال… إنه رجل دولة.. رجل تفاوض… رجل ثقافة… رجل اقتصاد… رجل قانون… رجل إعلام…ورجل أزمات.
ومن لا يملك هذه الأدوات، لا يستطيع أن يمثل دولة بحجم المغرب، التي أصبحت فاعلا إقليميا ودوليا مهما.
لقد تغير العالم، بينما ما زالت بعض آليات اختيار المسؤولين تسير بعقلية الأمس.
الكفاءات الحقيقية خارج الأسوار، المفارقة المؤلمة أن المغرب يملك في أوروبا آلاف الكفاءات اللامعة.. أساتذة جامعات، خبراء في العلاقات الدولية، قضاة، محامون، أطباء، مهندسون، مديرو شركات عالمية، برلمانيون، باحثون ورجال أعمال.
يتقنون لغة البلد، ويفهمون ثقافته، ويعرفون المغرب معرفة عميقة، ويحملون شبكة علاقات واسعة مع مؤسسات الدول التي يعيشون فيها.
ومع ذلك، تبقى هذه الطاقات بعيدة عن دوائر القرار.. أليس هذا هدرا للكفاءات؟
أليس هدرا للمال العام؟.. أليس هدرا لفرصة تاريخية كان يمكن أن تجعل الدبلوماسية المغربية أكثر حضورا وتأثيرا؟
الوطن لا يبنى بالمجاملات.. أقول هذا، وأنا أؤكد بكل وضوح أنني تربطني علاقات احترام وتقدير بعدد من السفراء والقناصلة والدبلوماسيين وبعض موظفي القنصليات، وأعرف بينهم رجالا ونساء يؤدون عملهم بإخلاص ونكران للذات.
لكن العلاقات الشخصية لا تمنح أحدا حصانة من النقد، ولا ينبغي أن تتحول الصداقة إلى ستار نخفي وراءه أوجه القصور.
إن النقد العادل ليس عداء، بل هو أرقى درجات الوفاء للوطن، ومن يحب مؤسسات بلده، لا يجاملها عندما تخطئ، بل يساعدها على الإصلاح.
- رسالة إلى جلالة الملك ووزارة الشؤون الخارجية
لقد جعل جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، من الجالية المغربية بالخارج رافعة إستراتيجية للتنمية، ودعا في أكثر من مناسبة إلى تحديث الإدارة، وتحسين الخدمات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
واليوم، أصبح من الضروري فتح ورش وطني حقيقي لإعادة النظر في معايير اختيار السفراء والقناصلة والموظفين القنصليين.
فالمطلوب ليس مجرد تغيير الأشخاص، بل تغيير الفلسفة.
أن تصبح الكفاءة قبل الأقدمية واللغات قبل العلاقات، والإنجاز قبل المجاملة والتقييم الدوري قبل المناصب الدائمة.
كما آن الأوان لإشراك الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج في مواقع القرار والاستشارة، حتى تصبح الدبلوماسية المغربية امتدادا حقيقيا لقوة المغرب الناعمة، لا مجرد جهاز إداري يعيش بمعزل عن محيطه.
كلمة أخيرة: إن الأوطان العظيمة لا تخاف من النقد، ولا تتقدم بالتطبيل ولا تُبنى بالصور التذكارية، بل تبنى بالصدق، والكفاءة، والمحاسبة، والجرأة على الاعتراف بالنقص قبل الادعاء بالكمال.
أما الصحافة، فإن رسالتها ليست صناعة الأبطال، وإنما كشف الحقيقة.
وعندما تتحول إلى منصة للمجاملة، فإنها لا تسيء إلى القارئ فحسب، بل تسيء إلى الدولة نفسها، لأنها تحرمها من مرآة ترى فيها أخطاءها فتصلحها.
إن المغرب أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأحق بأن يخدمه الأكفاء، لا أن يُدار بمنطق المجاملات والولاءات.
فهل آن الأوان لثورة هادئة في دبلوماسيتنا، تعيد الاعتبار للكفاءة، وتُنهي زمن التطبيل؟