الألباب المغربية/ الفلكي المغربي عبد العزيز الخطابي
في كل عام، ومع حلول يوم 21 يونيو تقريباً، يشهد سكان النصف الشمالي من الكرة الأرضية حدثاً فلكياً مميزاً يعرف باسم الانقلاب الصيفي، ويتميز هذا اليوم بكونه الأطول نهاراً والأقصر ليلاً خلال السنة. حيث تتجاوز مدة النهار في المغرب أربع عشرة ساعة. قبل أن تبدأ بالتراجع التدريجي خلال الأشهر التالية.
ورغم أن هذه الظاهرة تتكرر سنوياً منذ ملايين السنين. فإن كثيرين لا يزالون يتساءلون عن السبب العلمي الذي يجعل النهار يبلغ ذروته في هذا التاريخ بالذات.
- سر الظاهرة: ميل محور الأرض
لفهم الانقلاب الصيفي. لا بد من معرفة أن الأرض لا تدور حول الشمس وهي مستقيمة تماماً. بل إن محور دورانها مائل بنحو 23.5 درجة. ويُعد هذا الميل العامل الأساسي المسؤول عن تعاقب الفصول الأربعة واختلاف طول الليل والنهار عبر السنة.
وأثناء دوران الأرض حول الشمس. يأتي وقت يكون فيه النصف الشمالي من الكرة الأرضية مائلاً نحو الشمس بأقصى درجة ممكنة. وهو ما يحدث في 21 يونيو تقريباً. نتيجة لذلك. تتلقى المناطق الواقعة شمال خط الاستواء كمية أكبر من أشعة الشمس ولساعات أطول. فيزداد طول النهار إلى أقصى حد ممكن خلال العام.
- الشمس لا تصبح أقرب إلى الأرض
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن حرارة الصيف وطول النهار مرتبطان باقتراب الأرض من الشمس. والحقيقة العلمية أن المسافة بين الأرض والشمس ليست السبب الرئيسي في حدوث الفصول أو اختلاف طول النهار.
بل إن الأرض تكون في بعض فترات الصيف أبعد عن الشمس مما تكون عليه في الشتاء. أما العامل الحاسم فهو زاوية سقوط أشعة الشمس الناتجة عن ميل محور الأرض والتي تجعل أشعة الشمس أكثر مباشرة وقوة خلال فصل الصيف.
- كيف يبدو مسار الشمس في يوم الانقلاب؟
في يوم الانقلاب الصيفي. تشرق الشمس من أقصى نقطة شمالية تقريباً على الأفق الشرقي ثم ترتفع إلى أعلى مستوى لها في السماء مقارنة ببقية أيام السنة. قبل أن تغرب من أقصى نقطة شمالية على الأفق الغربي.
هذا المسار الطويل الذي تقطعه الشمس فوق الأفق يعني أنها تبقى مرئية لساعات إضافية. وهو ما يفسر طول النهار وقصر الليل.
- ماذا يحدث بعد 21 يونيو؟
يمثل الانقلاب الصيفي نقطة التحول السنوية في حركة الشمس الظاهرية. فبعد هذا التاريخ مباشرة تبدأ ساعات النهار بالتناقص تدريجياً. وإن كان ذلك غير ملحوظ في الأيام الأولى.
ويستمر هذا التراجع حتى موعد الاعتدال الخريفي في شهر سبتمبر. حيث يتساوى طول الليل والنهار تقريباً. وبعد ذلك يزداد طول الليل تدريجياً إلى أن يصل إلى ذروته خلال الانقلاب الشتوي في ديسمبر.
- ظواهر مدهشة قرب القطب الشمالي
كلما اتجهنا شمالاً ازدادت آثار الانقلاب الصيفي وضوحاً. ففي المناطق القريبة من الدائرة القطبية الشمالية. لا تغرب الشمس إطلاقاً خلال هذه الفترة. وتبقى فوق الأفق أربعاً وعشرين ساعة متواصلة فيما يعرف بظاهرة “شمس منتصف الليل”
أما في القطب الشمالي نفسه، فيستمر النهار أشهراً متتالية دون غروب الشمس. قبل أن يحل ليل طويل خلال فصل الشتاء.
- توازن كوني دقيق
يكشف الانقلاب الصيفي عن جانب من الدقة المذهلة التي تحكم حركة الأرض في الفضاء. فميل بسيط في محور الكوكب. لا يتجاوز 23.5 درجة. هو الذي ينظم إيقاع الفصول الزراعية والمناخية والحيوية على سطح الأرض. ويحدد طول الأيام والليالي منذ نشأة الحياة وحتى اليوم.
وهكذا. فإن أطول نهار في السنة ليس مجرد ظاهرة فلكية عابرة. بل هو تذكير سنوي بالنظام الكوني الدقيق الذي تتحرك وفقه الأرض حول الشمس، في تناغم مستمر صنع الفصول. ورسم إيقاع الزمن الذي تعيش عليه البشرية منذ آلاف السنين.