الألباب المغربية/ خديجة بوشخار
في خضم النقاش المتجدد حول تسعيرة سيارات الأجرة بمدينة بني ملال، يبرز سؤال أساسي يتجاوز مجرد الزيادة في ثمن الرحلة، ويتعلق بالدرجة الأولى بكرامة المواطن وحقه في الاستفادة من خدمة نقل عمومي تحترم وقته وظروفه وتضمن له الحد الأدنى من الوضوح والإنصاف. ويأتي البلاغ الموجه إلى ساكنة المدينة، والذي يدعو إلى احترام حق المواطن في الوقوف وعدم المزج بين الركاب، ليعيد إلى الواجهة إشكالية أوسع تتقاطع فيها معاناة السائق مع معاناة الراكب.
ولا يمكن، في المقابل، تجاهل الوضعية التي يعيشها عدد من سائقي سيارات الأجرة، في ظل ارتفاع أسعار البنزين وتزايد تكاليف صيانة وإصلاح السيارات ومصاريف التأمين وغيرها من الأعباء المرتبطة بممارسة المهنة، وهي عوامل تنعكس بشكل مباشر على مردودية السائق وقدرته على تغطية مصاريفه اليومية. ومن هذا المنطلق، تبدو مطالب المهنيين المرتبطة بتحسين ظروف العمل ومراعاة ارتفاع تكاليف الاستغلال جزءاً من واقع مهني لا يمكن تجاهله.
غير أن المواطن، بدوره، يوجد في قلب هذه المعادلة، لأنه الطرف الذي يؤدي ثمن الرحلة ويتحمل في النهاية انعكاس أي ارتفاع في تكاليف النقل على قدرته على التنقل. فبالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، لا تشكل سيارة الأجرة وسيلة ترف، وإنما ضرورة يومية للوصول إلى العمل أو الإدارة أو المستشفى أو السوق أو المؤسسة التعليمية، وبالتالي فإن أي زيادة في التسعيرة تصبح عبئاً إضافياً على ميزانية الأسر، خصوصاً بالنسبة لمن يضطرون إلى استعمال سيارات الأجرة بشكل متكرر.
لكن الإشكال لا يتوقف عند حدود التسعيرة، بل يمتد، وفق ما يطرحه عدد من مستعملي سيارات الأجرة، إلى طريقة تقديم الخدمة نفسها. فالمواطن الذي يركب سيارة الأجرة باعتباره الزبون الأول، ويحدد للسائق وجهته على أساس الوصول في الوقت المناسب، قد يجد نفسه أمام توقفات متكررة لالتقاط ركاب آخرين بدعوى أنهم يسلكون الاتجاه نفسه. وهنا يجد الراكب نفسه في وضعية صعبة: فهو يؤدي مقابل خدمة نقل يفترض أن تراعي وجهته وظروفه، لكنه قد يصل متأخراً بسبب سلسلة من التوقفات التي لم تكن ضمن حساباته عند ركوب السيارة.
وتزداد حدة هذه المعاناة عندما يكون المواطن مرتبطاً بموعد عمل أو موعد إداري أو طبي أو امتحان أو التزام لا يحتمل التأخير. فبالنسبة إليه، الدقائق التي قد تبدو بسيطة في حسابات السائق قد تكون حاسمة في حياته اليومية، وهو ما يجعل احترام وقت الراكب جزءاً لا يتجزأ من جودة خدمة النقل.
وفي الجهة المقابلة، تبرز أيضاً إشكالية أخرى تتمثل في امتناع بعض سائقي سيارات الأجرة عن نقل أكثر من شخص واحد، حتى عندما يكون الركاب متوجهين في اتجاهات متقاربة أو متطابقة، الأمر الذي يضع المواطن أمام خيارات محدودة ويزيد من صعوبة التنقل، خصوصاً في أوقات الذروة أو عندما يكون الطلب على سيارات الأجرة مرتفعاً.
وهنا يبدو أن المشكل الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة بين السائق والمواطن، لأن كليهما يوجد داخل منظومة واحدة ويتأثر بالاختلالات نفسها. فالسائق يبحث عن دخل يضمن له تغطية مصاريف سيارته وتأمين معيشته، والمواطن يبحث عن خدمة نقل مناسبة تحترم قدرته المادية ووقته وحقه في الوصول إلى وجهته في ظروف معقولة.
وبين الطرفين، تبرز الحاجة إلى تنظيم العلاقة بشكل أكثر وضوحاً، بما يحفظ حقوق المهنيين دون أن يكون ذلك على حساب حقوق الركاب، ويضمن للمواطن معرفة طبيعة الخدمة التي يؤدي مقابلها، ويضع حداً للممارسات التي قد تجعل الراكب يشعر بأنه ليس صاحب حق في تحديد شروط الرحلة التي دفع ثمنها.
إن الدفاع عن السائق لا يعني تجاهل المواطن، كما أن المطالبة بحقوق المواطن لا ينبغي أن تعني التقليل من حجم الأعباء التي يتحملها المهني. فالمطلوب هو البحث عن صيغة تحقق التوازن بين الطرفين، من خلال مراجعة الإطار المنظم للخدمة، وتوضيح شروط التسعيرة والنقل المشترك والتوقفات، وتعزيز المراقبة والتواصل، بما يضمن أن تبقى سيارة الأجرة وسيلة لخدمة المواطن وليس مصدر توتر يومي بينه وبين السائق.
وفي النهاية، فإن كرامة المواطن لا تُقاس فقط بثمن الرحلة، وإنما أيضاً بكيفية معاملته وباحترام وقته ووجهته وحقه في الاستفادة من الخدمة التي يؤدي مقابلها. وفي المقابل، فإن كرامة السائق المهني تقتضي بدورها الاعتراف بالتكاليف المتزايدة التي يتحملها وبحقه في ظروف عمل تضمن له دخلاً يحفظ عيشه.
وبين هذين الحقين، يبقى الرهان الحقيقي هو الوصول إلى معادلة عادلة: سائق يحظى بحقوقه كاملة، ومواطن يؤدي ما عليه ويحصل في المقابل على خدمة تحترم حقه ووقته وكرامته.