الألباب المغربية/ خديجة بوشخار
على إيقاع الخيل والبارود، وبنبض التبوريدة المغربية الأصيلة، تستعد جماعة أولاد يوسف بإقليم بني ملال لاحتضان أربعة أيام استثنائية، من 1 إلى 4 أكتوبر 2026، ضمن فعاليات مهرجان المهاجر، في موعد يرتقب أن يحول المنطقة إلى قبلة لعشاق الفروسية التقليدية والفرجة الشعبية، ويمنح للتراث المغربي فضاءً جديداً للتألق والاحتفاء.
هذه المرة، لن يكون المشهد عادياً؛ فحين تصطف “السربات”، وتمتطي الخيول صهوة الفرسان، وتعلو أهازيج الفروسية قبل أن تدوي طلقات البارود في السماء، تستعيد التبوريدة المغربية واحدة من أجمل صورها، وتتحول ساحة المهرجان إلى فضاء تختلط فيه قوة الخيل بمهارة الفارس، وعبق الماضي بحيوية الحاضر.
وتراهن جماعة أولاد يوسف من خلال هذا الموعد على تقديم مهرجان يحمل أكثر من وجه؛ فهو احتفال بالتراث، وفضاء للفرجة، ومحطة للتواصل، ونافذة للتعريف بالمنطقة ومؤهلاتها، فضلاً عن كونه مناسبة خاصة لاستقبال أبناء الجالية المغربية، الذين يظل ارتباطهم بمسقط الرأس والأرض والذاكرة أحد أقوى خيوط الانتماء.
ويأتي اختيار “المهاجر” اسماً لهذه التظاهرة ليمنحها دلالة خاصة، إذ يضع أبناء الجالية في قلب الحدث، ليس باعتبارهم مجرد ضيوف، وإنما باعتبارهم جزءاً أصيلاً من ذاكرة المنطقة وامتداداً اجتماعياً وإنسانياً لها. ومن خلال أجواء المهرجان، تفتح أولاد يوسف ذراعيها أمام أبنائها العائدين، في مشهد تتقاطع فيه فرحة اللقاء مع الاعتزاز بالهوية والارتباط بالجذور.
أما التبوريدة، فتظل بطلة المشهد دون منازع. إذ يرتقب أن تعرف فعاليات المهرجان مشاركة فرق وسربات من مناطق مختلفة، لتقديم عروض تستحضر تقاليد الفروسية المغربية بما تحمله من رموز وطقوس وجمالية خاصة. وسيكون الجمهور على موعد مع لوحات تجمع بين أناقة الخيول، ودقة الفرسان، وانسجام السربات، وحماس الأهازيج، وصولاً إلى لحظة إطلاق البارود التي طالما صنعت فرجة استثنائية في المواسم والمهرجانات المغربية.
لكن قيمة المهرجان لا تقف عند حدود الفرجة. فمثل هذه التظاهرات أصبحت تشكل فرصة حقيقية لتنشيط المجال المحلي، وفتح نوافذ جديدة أمام الاقتصاد والثقافة والسياحة الداخلية. ومن المنتظر أن تستفيد الأسر والمهنيون والتعاونيات والمنتجون المحليون من الحركية التي يخلقها توافد الزوار، من خلال عرض المنتجات المجالية والتعريف بما تزخر به المنطقة من مؤهلات ومنتوجات تستحق مزيداً من الاهتمام والترويج.
ومن هذه الزاوية، يكتسب مهرجان المهاجر بعداً تنموياً واضحاً، لأنه يمنح جماعة أولاد يوسف فرصة للخروج من دائرة الاحتفال المناسباتي إلى فضاء أوسع عنوانه الترويج الترابي وصناعة الجاذبية المحلية. فالمهرجان الناجح ليس فقط ذلك الذي يجذب الجمهور، وإنما الذي يترك أثراً في صورة المكان، ويمنح المنطقة فرصة لتقديم نفسها وإمكاناتها للزائر.
وفي قلب هذه الدينامية، يبرز دور رئيس جماعة أولاد يوسف، مصطفى بريم، في مواكبة الشأن المحلي ودعم المبادرات التي يمكن أن تمنح الجماعة مزيداً من الحضور الثقافي والاجتماعي، وتفتح أمامها آفاقاً جديدة للتعريف بمؤهلاتها. فتنظيم تظاهرة بهذا الحجم يتطلب رؤية تتجاوز الجانب الاحتفالي، وتربط الثقافة بخدمة المجال، والانفتاح على الزوار، ودعم الحركية الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن الاستثمار في التبوريدة، يحمل دلالة ثقافية عميقة، باعتبارها واحدة من أكثر الفنون الشعبية المغربية قدرة على اختزال علاقة الإنسان المغربي بالخيل والأرض والاحتفال الجماعي. فهي ليست مجرد استعراض للمهارات، وإنما ذاكرة حية تتناقلها الأجيال، وتمنح للفضاء القروي خصوصاً فرصة للحفاظ على جزء مهم من موروثه وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة في قالب احتفالي جذاب.
وخلال الأيام الأربعة، ستعيش أولاد يوسف على إيقاع مختلف؛ الزوار في الموعد، الخيول في الساحات، السربات تستعد لتقديم لوحاتها، والساكنة تتهيأ لاستقبال ضيوفها في أجواء ينتظر أن تجمع بين العائلية والفرجة والاحتفاء بالأصالة.
إنها مناسبة تريد من خلالها أولاد يوسف أن تقول إن التراث يمكن أن يكون جسراً بين الماضي والحاضر، وإن التبوريدة قادرة على صناعة الفرجة وتحريك الاقتصاد والتعريف بالمجال في الوقت نفسه، وإن المهرجانات المحلية يمكن أن تتحول إلى منصات حقيقية للتواصل والترويج الترابي.