الألباب المغربية/ د. حسن شتاتو
ثمة نصوص قصيرة تبدو للوهلة الأولى مجرد خواطر عابرة، لكنها تخفي وراء بساطتها رؤية عميقة للطبيعة الإنسانية. ومن هذه النصوص ذلك الذي يقول: “قد نمر أنا وأنت بالظروف نفسها، لكنني قد أحملها معي لسنوات، بينما تتركها خلفك بعد أيام وتمضي لحياتك”.
في ظاهره، يتحدث النص عن اختلاف الناس في التعامل مع الألم، لكنه في جوهره يطرح سؤالًا أعمق: لماذا يتعافى بعضنا سريعًا بينما يظل آخرون أسرى الذكريات والجراح لسنوات طويلة ؟
يعتمد النص على فكرة مركزية واضحة مفادها أن تشابه الأحداث لا يعني تشابه آثارها النفسية. فالإنسان لا يعيش الوقائع كما هي، بل يعيشها كما يستقبلها وجدانه وكما يعالجها عقله وتحملها روحه. لذلك يرفض الكاتب التفسير السهل الذي يربط الأمر بقوة الإحساس أو ضعفه، فيقول ضمنيًا إن المسألة ليست منافسة في الألم، وليست أيضًا اختبارًا للقوة أو الضعف، بل هي اختلاف في البنية النفسية والقدرة على التكيف والتجاوز.
ومن الناحية الأدبية، ينجح النص في بناء صورته عبر المقابلة بين شخصين يمران بالتجربة نفسها، لكن أحدهما يحملها معه لسنوات بينما يتركها الآخر خلفه بعد أيام. هذه المقابلة تمنح النص حيوية وتبرز الفكرة بوضوح دون حاجة إلى شروحات مطولة. وتبلغ الصورة ذروتها في الاستعارة الجميلة التي تجعل من التجربة المؤلمة صفحة في كتاب الحياة؛ فهناك من يتعلم الدرس ثم يغلق الصفحة، وهناك من يبقى يعيد قراءتها مرارًا رغم أن القصة انتهت منذ زمن. إنها صورة تختصر بدقة ظاهرة إنسانية شائعة تتمثل في اجترار الذكريات وإعادة استحضار الآلام الماضية.
أما على المستوى العاطفي، فإن النص يحمل رسالة مواساة أكثر مما يحمل رسالة تعليمية. فهو يوجه كلامه إلى كل من يشعر بالعجز لأنه لم يشفَ بالسرعة التي شفي بها الآخرون، وإلى كل من يقارن نفسه بمن تجاوزوا محنهم سريعًا. وكأن الكاتب يقول: لا تظلم نفسك بالمقارنة، فلكل قلب طريقته الخاصة في احتمال الصدمات، ولكل روح زمنها الخاص في التعافي.
غير أن القراءة العقلانية للنص تقتضي الإشارة إلى أن التعافي ليس مسألة فردية خالصة كما يبدو في بعض عباراته. فالإنسان لا يتجاوز آلامه اعتمادًا على قدراته الذاتية وحدها، بل تؤثر في ذلك عوامل كثيرة؛ منها شدة الصدمة، وطبيعة البيئة الأسرية، والدعم الاجتماعي، والخبرات السابقة، والظروف المعيشية، وحتى الصحة النفسية التي كان يتمتع بها قبل وقوع الحدث. ولذلك فإن اختلاف الناس في التعافي لا يعود فقط إلى اختلاف قدراتهم، بل أيضًا إلى اختلاف الظروف التي تحيط بهم.
ومع ذلك، تبقى القيمة الحقيقية للنص في رسالته الإنسانية العميقة. فهو يدعونا إلى التخفف من الأحكام السريعة على الآخرين، وإلى إدراك أن ما يبدو بسيطًا بالنسبة لشخص قد يكون معركة يومية بالنسبة لآخر. فليس كل من ابتسم قد نسي، وليس كل من طال حزنه ضعيفًا، وليس كل من تعافى سريعًا قليل الإحساس.
إن النص في النهاية ليس حديثًا عن الألم فقط، بل عن الرحمة. رحمة الإنسان بنفسه حين يعترف بأن التعافي يحتاج إلى وقت، ورحمته بالآخرين حين يدرك أن القلوب لا تتشابه، وأن لكل إنسان طريقته الخاصة في حمل الأعباء والنجاة منها. وبين من يغلق الصفحة ومن يعيد قراءتها مرارًا، تظل الحقيقة الأجمل أن الجميع يحاولون المضي قدمًا، كلٌّ وفق قدرته، وكلٌّ وفق الجراح التي لا يراها أحد.