الألباب المغربية
صدر حديثا عن منشورات دار أكورا (بطنجة) كتاب نقدي جديد للدكتور عبد الرحمان إكيدر، بعنوان “البصمة الأسلوبية؛ مقاربات في التراث النقدي العربي والدراسات البينية الحديثة”، وذلك في 172 صفحة من القطع المتوسط، وبتقديم من الدكتور سعيد العوادي.
يُقدِّم الكتاب رؤية تركيبية مبتكرة تَعْبر بالدراسة الأسلوبية من حدودها النقدية والبلاغية التقليدية إلى آفاقها المعرفية الراهنة، عبر استقصاء مفهوم “البصمة الأسلوبية” بوصفها مفتاحا للقراءة والتحليل. وقد جاءت مادة البحث موزعة على فصلين رئيسيين؛ يُعنى الأول بـ “التفرد الأسلوبي في التراث النقدي العربي”، حيث يعيد الباحث قراءة قضايا محورية في النقد العربي القديم، من قبيل؛ العلاقة بين التصنيف الطبقي والسمات الأسلوبية، وجدلية الطبع والصنعة في تشكيل الأسلوب، وصولا إلى تشخيص الخصائص الأسلوبية في شعر الطائِيَيْن، وانتهاءً بمفهوم “المزية” الأسلوبية عند عبد القاهر الجرجاني.
أما الفصل الثاني، الموسوم بـ “البصمة الأسلوبية في الدراسات البينية الحديثة”، فينفتح على التطبيقات المعاصرة لهذا المفهوم. إذ يخصص الباحث أربعة مباحث إجرائية لاستكشاف آليات توظيف البصمة الأسلوبية فيالتحليل الأسلوبي عبر توظيف الإحصاء كمنهج للكشف عن الخصائص الأسلوبية الفارقة، وتحقيق النصوص ونسبتها، ودور البصمة في كشف هوية المؤلف، مما يسهم في حل عدد من القضايا الجنائية، حيث تصبح هذه البصمة الأسلوبية دليلا دامغا لتحديد هوية الجاني من خلال نصوصه أو محادثاته المكتوبة. إضافة إلى بيان أثر هذه البصمة في تمييز النصوص البشرية عن تلك المولدة آليا عن طريق الذكاء الاصطناعي.
قول الدكتورسعيد العوادي في تقديمه لهذا الإصدار: “إن انتباه الباحث إلى قضية (البصمة الأسلوبية) في الخطابين التراثي والحديث يضع الأصبع على أحد أهم مقاصد الدراسة النقدية، وهو القدرة على تمييز مستويات الجيد في النصوص الفنية والوظيفية، مما يرتقي بالممارسة النقدية من مجرد تمييز الجيد من الرديء إلى التمييز داخل سُلَّمية الجيد، من خلال الوقوف على الخواص الفنية والسمات الدلالية التي تجعل من الجودة النصية مقامات ورتبا”.
ويضيف الدكتور العوادي: “لقد أبدع د. عبد الرحمان إكيدر عندما أدخل (البصمة الأسلوبية) إلى مجال تحقيق النصوص التراثية، مبرزا أن المحقق بما هو باحث يطلب الحقيقة في بحثه عن النص الأصلي أثناء مقابلته بين المخطوطات، إنما هو يتكئ إلى نَفَس المؤلِّف وبصمته التي تميزه. ويبدو أننا بحاجة ماسة إلى تطوير ما تقدم به الباحث في أفق إنشاء فرع علمي جديد يهتم بآليات البحث عن البصمة الأسلوبية للمخطوطات. وختم الدكتور العوادي تصديره للكتاب بقوله: “وكذلك فتح الباحث أفقا بحثيا معاصرا حين توقف عند البصمة الأسلوبية في المقارنة بين الإنتاج النصي البشري والإنتاج النصي للآلة، منتهيا إلى قدرة الذكاء البشري على الذكاء الاصطناعي في جوانب الإبداع والاتساق والتنويع والمرونة. ولعل تعميق البحث في مثل هذه المقارنة يضيف فهما أدق للذكاء البشري، لأن (بضدها تبين الأشياء)، كما يساعد خبراء البرمجيات في بذل مزيد من الجهد لإضافة مزية ذكاء إلى الذكاء الاصطناعي”.