الألباب المغربية/ ذ. ليلى حسني
قراءة في ديوان الشاعر المغربي السعيد منصوري: وادي دادس… الفضاء الذي شكل وجدان الشاعر وأمد قصيدته بروح المكان.

في ديوانه الجديد “الإنسان الحر” يقدم الشاعر المغربي السعيد منصوري تجربة شعرية تنفتح على أسئلة الوجود والهوية، وتضع الحرية في قلب التأمل الإنساني. إنه عمل لا يكتفي بالبوح، بل يحول القصيدة إلى مساحة تفكير، وإلى مرآة تعكس قلق الإنسان المعاصر وهو يبحث عن ذاته وسط عالم سريع التحول.
ولد منصوري سنة 1991 بسوق الخميس دادس بإقليم تنغير، وهي بيئة طبيعية آسرة تركت أثرا واضحا في حساسيته الشعرية. فالطبيعة في نصوصه ليست مجرد خلفية جمالية، بل كيان حي يتقاطع مع الذاكرة والطفولة والانتماء. تتحول الجبال والواحات إلى رموز دلالية تعبر عن الصمود والحنين، وعن العلاقة العميقة بين الإنسان وأرضه.
اختار الشاعر الكتابة باللغة الفرنسية، غير أن انشغاله ظل إنسانيا في جوهره. ينتمي إلى جيل من الشعراء الذين وجدوا في قصيدة النثر أفقا رحبا وللتعبير عن القلق الوجودي وأسئلة الذات الحديثة. وتمتاز لغته بالتكثيف والرمزية، حيث تتداخل التجربة الشخصية مع التأمل الفلسفي، فتبدو النصوص كأنها اعترافات داخلية مشبعة بالصدق والبحث.
يحضر موضوع الحرية في الديوان بوصفه جوهر الكينونة الإنسانية. ليست الحرية هنا شعارا، بل رحلة داخلية تبدأ من مواجهة الذات. إنها محاولة للتحرر من الخوف، ومن القيود الخفية التي يفرضها العالم على الإنسان. لذلك تبدو القصائد كأنها دعوة مفتوحة للتأمل، ومساءلة مستمرة لمعنى أن يكون الإنسان حرا.
وتحضر المرأة في هذا العمل باعتبارها رمزا للحياة والاستمرار، لا مجرد موضوع عاطفي. إنها الأم والذاكرة والحنان، وهي أيضا الأفق الذي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار رغم الهشاشة. يمنحها الشاعر بعدا إنسانيا شاملا يجعلها قيمة وجودية تتجاوز الصورة التقليدية.
إن “الإنسان الحر” ليس مجرد ديوان شعري، بل بيان أدبي يؤكد أن الشعر ما يزال قادرا على أن يكون فعل مقاومة جمالية، وصوتا يدافع عن كرامة الإنسان الداخلية. ومن خلال هذا العمل، يرسّخ السعيد منصوري مكانته ضمن الأصوات الشعرية الشابة التي تسعى إلى تجديد الخطاب الشعري وإغناء المشهد الثقافي المغربي.
وفي زمن تتقلص فيه مساحات التأمل، يبقى الشعر ملاذا للروح، ومساحة لاستعادة المعنى. وديوان “الإنسان الحر” شهادة على أن الحرية تبدأ من الكلمة، ومن قدرة الشاعر على أن يمنح الإنسان صوته العميق.