الألباب المغربية/ خليل لغنيمي
لا يولد الفساد فجأة داخل الإدارات ولا يقتحم المؤسسات من فراغ، بل يتسلّل بهدوء عبر مسارات غير مرئية، تبدأ من منظومة القيم وتنتهي بتطبيع الانحراف داخل المجتمع. فالتجارب التاريخية، كما تؤكد التحليلات السوسيولوجية، تُظهر أن الفساد ليس مجرد اختلال قانوني، بل ظاهرة اجتماعية مركّبة تتغذّى من خلل عميق في البناء القيمي والرمزي للمجتمع.
أولى حلقات هذه السلسلة هي ما يمكن تسميته بالفساد الديني، حين يُفرَّغ الخطاب الديني من جوهره الأخلاقي ويُختزل في الطقوس أو يُستعمل كأداة تبرير للظلم والامتياز. في هذه المرحلة، يفقد الدين وظيفته كآلية للضبط الأخلاقي، ويتحوّل من قوة إصلاح إلى غطاء رمزي يحمي الانحراف. وهنا يُصاب الضمير الجمعي بالارتباك، ويبدأ الفصل بين القيم المعلنة والممارسات الواقعية.
ومع تآكل المرجعية القيمية، يظهر الفساد الأخلاقي كمرحلة ثانية، حيث تنهار المعايير الفاصلة بين الصواب والخطأ. وفق المفهوم السوسيولوجي للّامعيارية، يصبح الكذب مهارة، والانتهازية ذكاءً اجتماعيًا، ويُعاد تعريف النجاح بمنطق الربح السريع لا الاستحقاق. في هذا السياق، لا يعود الفرد منحرفًا عن القاعدة، بل متكيفًا مع واقع مختل.
وحين يضعف الوازع الأخلاقي، يصبح الفساد الإداري نتيجة طبيعية لا استثناءً. فالإدارة، التي يُفترض أن تقوم على العقلانية والكفاءة، تتحول إلى فضاء للزبونية والمحسوبية، حيث تُقدَّم الولاءات على الكفاءات، وتُستبدل القوانين بالأعراف غير المكتوبة. هنا تتآكل الثقة بين المواطن والمؤسسة، ويتحوّل الحق العام إلى مجال للتفاوض غير المشروع.
غير أن أخطر مراحل الفساد هي الفساد المجتمعي، حين يتعايش المجتمع مع الانحراف ويطبع معه. في هذه المرحلة، يُبرَّر الفساد بخطاب “الضرورة” و“الواقع”، ويُنظر إلى مقاومته كنوع من السذاجة أو المغامرة. عندها لا يعود الفساد سلوكًا مرفوضًا، بل ثقافة صامتة تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.
إن هذا المسار المتدرج يكشف أن الفساد ليس أزمة إدارة فقط، بل أزمة مجتمع. لذلك، فإن أي حديث عن الإصلاح يظل ناقصًا إذا اقتصر على القوانين والزجر، دون معالجة الجذور السوسيولوجية للظاهرة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة الاعتبار للقيم، وترميم الضمير الجمعي، وبناء تنشئة اجتماعية قائمة على المواطنة والمسؤولية، لا على الخضوع والتطبيع مع الانحراف.
في المحصلة، لا يمكن لمجتمع أن يحارب الفساد وهو يتعايش معه، ولا لدولة أن تبني مؤسسات قوية فوق أرضية قيمية هشة. فكما أن الفساد منظومة متكاملة، فإن الإصلاح بدوره يجب أن يكون مشروعًا مجتمعيًا شاملًا، يبدأ من الوعي وينتهي عند المؤسسة.