الألباب المغربية
في وقت لا تزال فيه سحب الدخان تتلاشى ببطء في سماء آسفي، بعد عملية حرق أطنان من مخدر الشيرا ونبتة الكيف، خرجت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والبيئة بآسفي، ببلاغ لافت يخلط أوراق الصمت الرسمي ويدق ناقوس الخطر بشأن تبعات هذا الإجراء على الصحة العامة والبيئة.
البلاغ الذي حمل نبرة نقدية واضحة، لم يغفل التنويه بالمجهودات الأمنية الكبيرة التي بذلتها عناصر الدرك الملكي في محاربة تجارة المخدرات، لكنه في الوقت نفسه وجه أصابع الاتهام إلى طريقة الإتلاف التي وُصفت بـ”العشوائية” و”المدمرة بيئياً”، مؤكداً أن الحرق المباشر لكمية ضخمة من المواد السامة، في منطقة تعاني أصلاً من التلوث الصناعي، يُعد تعديًا صريحًا على الحق في بيئة سليمة وآمنة.
الجمعية لم تكتف بالتشخيص، بل اقترحت ثلاث بدائل واقعية وذات أفق استراتيجي: أولها اللجوء إلى محارق صناعية متخصصة قادرة على تقليص الأثر البيئي، وثانيها التفكير في إعادة توظيف نبتة الكيف في صناعات صيدلانية أو نسيجية تحت رقابة علمية، أما ثالث المقترحات فيتجلى في خلق دينامية علمية وطنية تدرس سبل تثمين هذه المواد بدل الاكتفاء بإتلافها.
بلاغ الجمعية يُعد أول تحرك مدني منظم يتناول بجدية مسألة “التدبير البيئي للمحجوزات”، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حارقة: لماذا تصر الدولة على اعتماد حلول بدائية رغم توفر البدائل؟ ولماذا يغيب التنسيق بين السلطات البيئية والأمنية عند اتخاذ قرارات بهذه الخطورة ؟.
من الواضح أن هذا التدخل المدني قد يخلق نقاشاً ضرورياً حول الكلفة البيئية للقرارات الأمنية، ويعيد طرح مسألة التوازن بين محاربة الجريمة وحماية البيئة، في زمن لم يعد فيه التستر على الأضرار مقبولاً، ولا الاستخفاف بالهواء الذي نتنفسه أمرًا قابلاً للتبرير.
فهل تلتقط السلطات الرسالة ؟ أم أن “دخان الحرق” سيغطي مرة أخرى على الحق في مساءلة بيئية عادلة ؟..