الألباب المغربية
في تطور لافت ومثير للاستغراب داخل أروقة الأمم المتحدة بنيويورك، شهدت الجلسة الأخيرة للجنة المنظمات غير الحكومية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي (ECOSOC)، المنعقدة يوم 4 فبراير 2026، منعطفاً غير متوقع بخصوص طلب الصفة الاستشارية الذي تقدم به “معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية” (SMS Institute) المغربي. فبعد سنوات من “العرقلة التقليدية” التي قادها الوفد الجزائري، جاءت الضربة هذه المرة من حيث لم يحتسب الدبلوماسيون والفاعلون المدنيون المغاربة: من ممثلة مملكة البحرين.
يعود ملف المعهد إلى سنة 2022، حين وضع طلبه مستوفياً كافة الشروط التقنية والقانونية للانضمام إلى النادي الاستشاري الأممي. ومنذ انطلاق المداولات في 2023، ظل الملف رهين “لعبة الأسئلة” التي تتقنها بعض الوفود المعادية لمصالح المغرب، وعلى رأسها الجزائر، التي دأبت على طرح استفسارات مطولة لتأجيل البت في الملف دورة تلو الأخرى.
كان المعهد، وطاقمه الإداري، يتعاملون مع المناوشات الجزائرية بمنطق “المتوقع”، نظراً للسياق الجيوسياسي المعروف. لكن، ما لم يكن في الحسبان هو أن تنضم دولة “شقيقة” وحليفة استراتيجية للمغرب إلى جوقة المعرقلين.
في جلسة الرابع من فبراير 2026، وبينما كانت التوقعات تشير إلى قرب الحسم في الملف بعد استنفاد الجزائر لأسئلتها، رفعت ممثلة مملكة البحرين بطاقتها لطلب الكلمة. وبدلاً من دعم الملف أو الدفع نحو اعتماده، طرحت الممثلة البحرينية سؤالاً أثار دهشة الحاضرين: “ما هو برنامج المعهد؟ وهل تتطابق أهدافه مع أهداف الأمم المتحدة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي؟”.
تكمن غرابة الموقف، بحسب مصادر قريبة من الملف، في أن هذا السؤال تحديداً هو “سؤال ألفبائي” في مساطر الاعتماد، وقد سبق طرحه بنفس الصيغة الحرفية في دورات سابقة، وقدم المعهد بشأنه إجابات مستفيضة وموثقة تؤكد التماهي التام بين استراتيجية المعهد وأجندة التنمية المستدامة الأممية.
في تعليق يقول مصدر من المعهد: “كنا نتجهز للرد على خصوم الوحدة الترابية، ففوجئنا بأن العرقلة جاءت من البيت العربي”.
إن إعادة تدوير سؤال “مستهلك” تمت الإجابة عنه سابقاً لا يمكن تفسيره إجرائياً إلا بكونه “مطية” لتأجيل البت في الملف وحرمان المعهد من الصفة الاستشارية لدورة أخرى. هذا السلوك يطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات الحقيقية لهذا الموقف البحريني:
- هل هو خلل تنسيقي؟ هل يعقل أن الدبلوماسية البحرينية لم تطلع على أرشيف الردود الموجود في ملف المعهد؟
- هل هو موقف فردي؟ أم أنه يعكس توجهاً جديداً وغير معلن تجاه مؤسسات المجتمع المدني المغربي المستقلة؟
لطالما اعتبر المغرب مملكة البحرين حليفاً استراتيجياً وشريكاً موثوقاً، وتجمعهما علاقات سياسية “أكثر من ممتازة”. إلا أن واقعة 4 فبراير تضع هذا التحالف على المحك في شقه المتعلق بالدبلوماسية الموازية والمجتمع المدني.
إن قيام دولة صديقة بلعب دور “المعطل” – بوعي أو بدونه – يفرض على “معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية”، وكافة الفاعلين المدنيين المغاربة، إعادة النظر في “خارطة التحالفات”. فالمعايير الدبلوماسية الكلاسيكية التي تصنف الدول إلى “صديقة” و”معادية” قد لا تكون دقيقة عندما يتعلق الأمر بمعارك المؤسسات الدولية، حيث تتداخل المصالح وتغيب أحياناً المبدئية.
إن ما حدث يوم 4 فبراير 2026 ليس مجرد تأجيل إداري لملف جمعية مغربية، بل هو جرس إنذار يستدعي وقفة تأمل: إذا كانت “النيران الصديقة” تعرقلنا بنفس أدوات الخصوم، فربما حان الوقت لإعادة تعريف من هو “الصديق” داخل قاعات الأمم المتحدة.