الألباب المغربية/ محمد خلاف
تنتصب المقاهي في حاضرة “الفقيه بن صالح” كظاهرة سوسيو- مجالية فريدة، تتخطى كونها مجرد محطات عابرة لارتشاف الوقت، لتغدو “برلمانات شعبية” ومختبرات حية ترصد نبض التحولات التي عصفت بعاصمة “بني عمير”. إنها ليست مجرد تجارة، بل هي الذاكرة الجريحة والآمال المعلقة على مشاجب الفناجين.
في غابر الأزمان، كان للمقهى قدسية مرتبطة بقلب المدينة النابض؛ حيث كانت الشوارع الكبرى، كشارع الحسن الثاني وعلال بن عبد الله، وبعض الشوارع الأخرى…..تحتضن فضاءات يغلفها التواضع المهيب. هناك، فوق كراسي تحكي بساطتها قصص القناعة، كان يجلس الأعيان في طقوس يملؤها السكون، كأنهم في حضرة معبد. أما اليوم، ومع الزحف العمراني الكاسح، تناسلت المقاهي كالفطر، مقتحمةً صمت الأزقة وصولاً إلى الهوامش المنسية. لقد تحولت من “خدمة اجتماعية” حميمية إلى “استثمار عقاري” عابر للقارات، يستنزف رصيف المارة ويُعيد صياغة الهوية البصرية للمدينة بملامح هجينة.
المقهى هنا مرآة تعكس تصدعات المجتمع العميري وتطلعاته. هي أولاً ملاذ الذاكرة للموظفين والمتقاعدين، حيث تُشرح القضايا السياسية وتُستعاد أمجاد السبعينات في “نوسطالجيا” جماعية تحاول ترميم ما أفسده الدهر. وهي ثانياً محراب “الغربة”؛ فلكون المنطقة خزاناً للهجرة، تتحول المقاهي إلى “مراكز اتصال كونية” تقتفي أثر الأحلام في إيطاليا وإسبانيا. وفي ليالي الكرة، تنقلب إلى مدرج صاخب يضج بالحماس، حيث يختلط عرق الانتظار ببريق الأمل العابر للحدود. كما تبرز في الزوايا “بورصة للظل” يسكنها الوسطاء، حيث تُبرم صفقات الأرض والماشية بـ”كلمة” تزن في ميزان الثقة ما لا تزنه العقود الموثقة.
لقد ودعت المدينة النمط الوظيفي البسيط لتستقبل عصر “البذخ المعماري”. واجهات زجاجية تشف عن انكسارات الروح، إضاءات خافتة تداعب خيالات العابرين، وأثاث فاخر يحاكي بريق العواصم الأوروبية. هذا التنافس المحموم ليس مجرد تزيين، بل هو استراتيجية لاستقطاب “الجالية” العائدة صيفاً، الباحثة في دروب “بني عمير” عن صدىً لفضاءات الضفة الأخرى، وكأن المقهى جسر وهمي يردم فجوة الاغتراب.
رغم قدرة المقهى العجيبة على ليّ عنق الزمن وربط جيل “النوالة” بوقاره وجيل “الأنترنيت” بصخبه، إلا أن ثمة ندوباً تخدش وجه المدينة. يتجلى ذلك في “اغتصاب” الأرصفة التي غدت ملكية خاصة تخنق أنفاس المارة، وفي تكريس “البطالة المقنعة” حيث يذوب العمر في قاع الفنجان. والأدهى هو ذلك الاستلاب الثقافي؛ إذ طغت المقاهي في ظل انقراض المكتبات، ليصبح المقهى “قدراً” لا خياراً، وملاذاً أخيراً في مدينة أضاعت نواديها الأدبية.
إن مقاهي الفقيه بن صالح ليست مجرد جدران، بل هي مؤسسة اجتماعية شاهدة على تحول المدينة من قرية فلاحية تحتضن السنابل، إلى قطب حضري صاخب يطارد السراب، حاملةً في عبق قهوتها المرة حكايات “بني عمير” التي لا تنتهي فصولها.