الألباب المغربية
حين تُستنزَف الكلمة في سوق التفاهة… ويتقدّم رئيسُ الفيدرالية بوصفه منطقًا للحكامة لا ضجيجًا للواجهة.
يقول والتر ليبمان: “إنّ الصحافة، حين تتخلى عن وظيفتها في الشرح والتفسير، لا تتحوّل إلى حيادٍ بريء، بل إلى أداةٍ خطِرة تُعيد إنتاج الوهم… فالرأي العام لا يُصاغ بما يُقال فقط، بل بما يُحجَب، وبالطريقة التي يُبسَّط بها المركّب، حتى يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين المعرفة والانطباع”.
تُصاب الصحافة بالإنهاك حين تُدفع قسرًا إلى حلبة التفاهة… وحين تُختزل رسالتها في اللهاث خلف العابر، وتُقاس قيمتها بعدد النقرات لا بثقل الأسئلة. في هذا المناخ المأزوم، تُفرَّغ الكلمة من بعدها التفسيري، وتُسلَب من قدرتها على الإضاءة، ويُعاد تشكيل الخبر في صورةٍ مبتورة، تُغري بالاستهلاك السريع وتُقصي الفهم المتأني. هكذا يتشكّل مشهدٌ مُربِك، تتوارى فيه المهنية خلف الصخب، ويغدو فيه الصحافي مُشغّلَ محتوى أكثر منه صانعَ معنى.
ضمن هذا السياق، لا يعود الصمت عجزًا، ولا يصبح الهدوء انسحابًا… بل يتحوّلان إلى اختيارٍ واعٍ، وإلى أسلوب اشتغالٍ مضاد للابتذال. من هنا يبرز اسم محتات الرقاص لا كحالةٍ إعلامية عابرة، بل كتركيبٍ مهنيٍّ متماسك، ينهض على فهمٍ عميق لتعقيد اللحظة، وعلى إدراكٍ بأن الصحافة لا تُنقَذ بالاندفاع، وإنما بإعادة ترتيب شروط وجودها.
توصيفه رجل السنة في الصحافة المغربية 2025 لا يستمد وجاهته من كثافة الظهور، ولا من صخب التصريحات، بل من موقعٍ دقيق شغله داخل البنية المهنية… موقع من يُمسك بالخيط في زمن التشظي، ويُدبّر الاختلاف دون تحويله إلى قطيعة، ويقرأ التحوّلات لا باعتبارها طوارئ، بل باعتبارها أعراضًا لبنيةٍ أعمق تحتاج إلى مساءلة.
بصفته رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، لم يتعامل مع المنصب كامتيازٍ رمزي، بل كتكليفٍ ثقيل، تُقاس نتائجه على المدى المتوسط، لا في لحظة التصفيق. لقد تحوّلت الرئاسة، في تجربته، إلى مجالٍ لإعادة تعريف الوظيفة التمثيلية ذاتها… تمثيلية لا تكتفي بنقل التذمّر، بل تُحوّله إلى أسئلةٍ مؤسسة، ولا تكتفي برفض الجاهز، بل تقترح بدائل قابلة للنقاش.
المنطق الذي حكم خطابه خلال هذا العام لم يكن انفعاليًا، ولا تبريريًا… كان أقرب إلى نسقٍ حِجَاجيٍّ مركّب، يستحضر النصوص القانونية، ويستنطق السياقات السياسية، ويضع الممارسة الصحافية داخل أفقها الحقوقي والتاريخي. هكذا انتقل النقاش، على يديه، من مستوى الشكوى إلى مستوى التحليل، ومن ردّ الفعل إلى بناء الموقف.
حين طُرحت أسئلة تنظيم المشهد الصحافي، لم يُقابَل النقاش بمنطق الرفض الكلي، ولا بمنطق القبول المطمئن… بل جرى تفكيك اللغة التي صيغت بها المشاريع، وتمحيص المفاهيم التي استُعملت، وكشف مناطق الالتباس التي قد تُفضي، إن تُركت دون مساءلة، إلى تضييقٍ ناعم لا يحتاج إلى قرارٍ صريح. لقد اشتغل الرقاص هنا بعقلٍ قانونيّ الحسّ، يدرك أن الخطر لا يكمن دائمًا في النص الواضح، بل في الصياغة الملتبسة.
وفي ملف الدعم العمومي، برزت ملامح اشتغاله الأكثر تعقيدًا… إذ لم يُختزل النقاش في منطق الاستفادة أو الإقصاء، بل أُعيد طرح السؤال من جذوره: ما فلسفة الدعم؟ ما غايته؟ ما أثره على التعددية؟ وما انعكاسه على استقلال القرار التحريري؟ أسئلة بدت للوهلة الأولى تقنية، لكنها في عمقها تمسّ جوهر العلاقة بين المال والمعنى، وبين الاستدامة والحرية.
هذا الاشتغال لم يكن معزولًا عن وعيٍ نقابيٍّ تراكمي، راكمه الرجل عبر سنواتٍ من العمل داخل الجسم الصحافي. وعيٌ يُدرك أن المهنة لا تُحمى بالشعارات، وأن الدفاع عنها لا يكون بالمزايدة، بل ببناء توازنٍ دقيق بين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والتنظيم، وبين الاستقلال والمساءلة. من هنا، بدت الحكامة الصحافية في خطابه مفهومًا حيًّا، لا مصطلحًا إداريًا جامدًا.
الحكامة، في هذا التصوّر، ليست هندسةً بيروقراطية، ولا توزيعًا ميكانيكيًا للاختصاصات… إنها ثقافةُ تدبير، ومنطقُ قرار، وقدرةٌ على تأجيل المكاسب الآنية لصالح استقرارٍ مهنيٍّ طويل النفس. إنها إدراكٌ بأن الصحافة، إن لم تُدار بعقلٍ جماعي، ستتحوّل إلى جزرٍ معزولة، يسهل تفكيكها، واستنزافها، وإفراغها من بعدها العمومي.
في مواجهة صحافة التفاهة، التي تعيش على الإثارة وتُغذّي الانفعال، قدّم محتات الرقاص نموذجًا مختلفًا… نموذج الفاعل المهني الذي يُراكم الثقة بدل أن يستهلكها، ويُراكم الأسئلة بدل أن يوزّع الإجابات الجاهزة. لم يكن خطابه مغريًا للجميع، ولم يسعَ إلى ذلك أصلًا… لأن الحكامة، بطبيعتها، لا تُرضي كل الأطراف، بل تُزعج من اعتادوا الفوضى المقنّعة.
هذا المسار لم يكن خاليًا من سوء الفهم، ولا من التأويلات المتسرّعة… غير أن الرجل اختار الاستمرار في الاشتغال داخل المناطق الرمادية، حيث لا يقينيات مطلقة، ولا حلول فورية. هناك، تحديدًا، تُقاس قيمة القيادة المهنية… في القدرة على الصبر، وعلى تحمّل الكلفة الرمزية، وعلى الدفاع عن المهنة دون تحويل الذات إلى مركز المشهد.
ومع تراكم لحظات 2025، تبلورت صورة محتات الرقاص لا كـرجل منصب، بل كـرجل مرحلة… مرحلة تبحث فيها الصحافة المغربية عن توازنها المفقود، وعن لغتها الرصينة، وعن موقعها داخل مجتمعٍ أنهكته السطحية وسرعة الاستهلاك. لقد بدا حضوره أشبه بمحاولة ترميم بطيئة… ترميم الثقة، ترميم المعنى، ترميم العلاقة بين الصحافة ووعيها الذاتي.
هكذا، لا يُختَتم عام 2025 بإجابةٍ حاسمة، ولا بخاتمةٍ مطمئنة… بل بسؤالٍ مفتوح، يتركه هذا المسار معلّقًا في فضاء المهنة: هل تستطيع الصحافة أن تستعيد دورها التفسيري، وأن تُقاوم الابتذال، وأن تُدار بعقل الحكامة ؟ في هذا السؤال، تحديدًا، يستقر معنى رجل السنة في الصحافة… لا بوصفه لقبًا، بل بوصفه مسؤوليةً ممتدّة، تتجاوز السنة… وتقاوم النسيان… وتراهن على المعنى.