الألباب المغربية
في مداخلة قوية الدلالات داخل مجلس المستشارين، وجّه المستشار البرلماني مولاي عبد الرحمان الدريسي سؤالاً شفهياً إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، لم يقتصر فيه على تشخيص أعطاب القطاع الصحي بإقليم ورزازات، بل تجاوز ذلك إلى ربط الصحة بالبنية التحتية، في طرح يعكس قدراً كبيراً من الذكاء السياسي وحسن توظيف الآليات الرقابية.
المستشار البرلماني استهل مداخلته بالحديث عن معاناة المرضى مع نفق تيشكا، باعتباره السبيل الوحيد تقريباً للتنقل نحو المستشفى الجامعي بمراكش، سواء من أجل العلاجات المتخصصة أو التدخلات الجراحية المعقدة، هذا المحور وإن بدا في ظاهره مرتبطاً بالبنية التحتية والنقل الطرقي، إلا أن الدريسي أحسن توظيفه من زاوية إنسانية صحية، مبرزاً المخاطر التي يتعرض لها المرضى، خصوصاً الحالات المستعجلة، أثناء عبور هذا المقطع الطرقي الصعب.
ولم تتوقف مداخلة المستشار عند هذا الحد، بل انتقل للحديث عن الوضع المقلق داخل المستشفى الإقليمي سيدي حساين بورزازات، مسجلاً غياب طبيب تخدير رسمي (غير متعاقد)، وهو تخصص حيوي لا يمكن الاستغناء عنه لضمان استمرارية العمليات الجراحية، إضافة إلى غياب مقلق في اختصاصيي العيون والأنف والأذن والحنجرة، الأمر الذي يدفع عدداً كبيراً من المواطنين إلى البحث عن العلاج خارج الإقليم، في ظروف صعبة ومكلفة.
وفي السياق نفسه، جدّد مولاي عبد الرحمان الدريسي مطلب إخراج مستشفى الاختصاصات إلى حيز الوجود، باعتباره مشروعاً طال انتظاره، من شأنه التخفيف من معاناة الساكنة وتقريب الخدمات الصحية المتخصصة من المواطنين، والحد من النزوح الصحي نحو مراكش وغيرها من المدن.
اللافت في هذه المداخلة الى جانب مضامينها، هو أسلوب طرحها، فقد نجح المستشار البرلماني بشكل ذكي في إدخال ملف إصلاح نفق تيشكا كعائق أخر أمام وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، مانحاً إياه بعداً إنسانياً مباشراً، ومحولاً الطريق إلى شريان حياة يربط المرضى بحقهم في العلاج، خطوة تبدو مقصودة، خاصة إذا علمنا أنه قبل أسبوعين فقط كان قد وجّه سؤالاً إلى وزير التجهيز والماء حول النفق ذاته، ليأتي الرد مقتضباً ومبهماً، مكتفياً بالتأكيد على أن الحكومة “تشتغل على هذا الجانب”.
هذا التراكم في الطرح يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل نحن أمام مجرد صدفة في التوقيت، أم أمام ذكاء سياسي يهدف إلى إبقاء ملف نفق تيشكا حاضراً بقوة داخل النقاش العمومي، من زوايا متعددة، وداخل أكثر من قطاع حكومي؟
في جل الحالات، تؤكد مداخلة المستشار البرلماني مولاي عبد الرحمان الدريسي أن العمل البرلماني لا يقتصر على طرح الأسئلة، بل يتطلب ذكاء في اختيار المداخل وربط الملفات ببعضها البعض، بما يخدم القضايا الحيوية للساكنة، وهي مرافعة سياسية بطابع إنساني، أعادت إلى الواجهة إشكالات الصحة والتنمية بجهة درعة تافيلالت، وكرّست صورة مستشار برلماني يسعى إلى تحويل معاناة المواطنين إلى أولوية داخل المؤسسة التشريعية.