الألباب المغربية/ محمد خلاف
كل الحنين لرائحة الورق “المسطر” حين يمتزج بحبر سيال أزرق. في زمن ما قبل “الواتساب” والرسائل الفورية الباردة…. كان للكلمة وزنٌ يُقاس بالصبر، وللشوق مسافة تُقطع عبر سعاة البريد الذين كانوا يحملون في حقائبهم الجلدية خيباتنا، أفراحنا، وأسرارنا الصغيرة….
لم تكن الكتابة مجرد رصٍّ للحروف، بل كانت “طقساً” مقدساً. كنا نختار الورق بعناية، أحياناً يكون مزيناً بورود خجولة على الحواف، وأحياناً نبلله بقطرات من عطرٍ رخيص ليظل شذى اللقاء عالقاً بين السطور. كان الخطأ الوحيد يعني تمزيق الورقة وإعادة الكرة من جديد، لأن “المحو” لم يكن متاحاً بضغطة زر، بل كان يخدش حياء الصفحة ويشوه صدق الشعور.
كانت العيون ترقب الشارع، ننتظر تلك الدراجة الهوائية وحقيبتها المثقلة بالورق. وحين تصل الرسالة، نختلي بها كما يختلي العابد بمحرابه، نفتح الظرف بحذر كأننا نفتح خزنة ذهب، نقرأ الكلمات مرة وعشرة، نتأمل انحناءات الحروف ونحاول أن نستشف منها مزاج المرسل…هل كان حزيناً وهو يكتب هذا الحرف؟ هل كانت يده ترتجف عند تلك الكلمة ؟
حتى “الطابع البريدي” كان له حكاية. كنا نلحسه بطرف اللسان ليثبت على الظرف، وكأننا نضع ختم القبلة الأخيرة قبل الوداع. كانت الهواية المفضلة لجيلنا هي جمع تلك الطوابع، التي كانت تأخذنا في رحلات مجانية لبلدان لم نزرها، وتعرفنا على ملوك وزعماء وفنون لم نكن لنعرفها لولا تلك القصاصات الصغيرة المسننة الأطراف.
اليوم، نرسل مئات الرسائل يومياً، لكننا لا نشعر بحرارة أي منها. سقطت الرسالة الورقية في بئر التكنولوجيا السريع، فصارت مشاعرنا “نسخاً ولصقاً”، وصار الحب “إيموجي” بارد لا روح فيه.
كبرنا فجأة، وصارت شاشات اللمس تفصل بيننا أكثر مما تجمعنا. لقد فقدنا “لذة الانتظار”، وحين يفقد الإنسان لذة الانتظار، يفقد جزءاً كبيراً من قيمة الأشياء.
رحم الله زمناً كان فيه الحبر أصدق من دماء الكثيرين اليوم، وكانت فيه الرسالة الواحدة تكفينا لنعيش على أملها شهراً كاملاً. وكان ساعي البريد.. نبيُّ الشوق ومُوزع الأمل، في زمنٍ لم تكن فيه المشاعر تُختزل في “نغمة تنبيه” أو شاشة مضيئة، كان هناك بطلٌ ينتظره الجميع على ناصية الصبر. رجلٌ ببدلة رسمية لا يغيرها الزمن، وحقيبة جلدية متعبة تنام بين ثناياها أسرار المدن، وقصص العشاق، ودموع المغتربين. إنه “ساعي البريد”، ذاك الذي لم يكن يوزع أوراقاً، بل كان يوزع “حياة”.وكان لصوت دراجته الهوائية، وهي تشق صمت الزقاق، رنينٌ خاص يفوق في عذوبته أعظم المقطوعات الموسيقية. حين تلمح العيون حقيبته المثقلة، كان القلب يبدأ بالخفقان؛ هل سيتوقف أمام بابنا اليوم؟ هل يحمل في جيبه “بشارة” من غائب، أم عتاباً مرّاً مغلفاً بظرفٍ ملون؟ كان ساعي البريد يعرف سكان الحي واحداً واحداً، ليس بأسماء منازلهم، بل بخرائط أشواقهم….ولم تكن كتابة الرسالة قديماً “دردشة” عابرة، بل كانت خلوة روحية. كنا ننتقي الكلمات كما ننتقي الياسمين، نكتب ونشطب، نضع نقاطاً ونمسح أخرى، وكأننا نبني قصراً من زجاج. كان الحبر على الورق هو “بصمة الروح”؛ فالحرف المائل يعني تعباً، والحرف العريض يعني ثقة، والبقعة الصغيرة على طرف الورقة قد تكون دمعة سقطت سهواً فخلدها الورق إلى الأبد.وكانت اللحظة التي يُغلق فيها الظرف بـ “اللعاب” لحظة الوداع الأخير للسر. والانتظار الذي يتبعها هو ما كان يعطي للرسالة قيمتها. كنا نعد الأيام والساعات، ونتحسس صندوق البريد الحديدي المغلق على الباب، فإذا وجدنا الورقة، شعرنا وكأننا ملكنا الدنيا. كنا نقرأ الرسالة حتى تذوب حوافها من كثرة اللمس، ونخبئها تحت الوسادة لنستحضر طيف مرسلها في المنام.
اليوم، صار العالم قرية صغيرة، لكنها قرية “صامتة”. الرسائل فورية، لكنها بلا رائحة، وبلا خط يد يرتعش صدقاً. غاب ساعي البريد، وحلّت محله “الإشعارات” الباردة التي تصلنا ونحن غارقون في اللامبالاة. لم نعد ننتظر، وحين انعدم الانتظار، فترت العواطف؛ فأصبحنا نكتب الكثير ونشعر بالقليل.
سلامٌ على ذلك الرجل الذي كان يقطع المسافات ليقرب القلوب، وسلامٌ على ورقٍ كان يئنّ تحت وطأة الشوق فيحمله إلينا بكل أمانة. لقد جفّ الحبر، وتوقف الساعي عن المجيء، وبقينا نحن نحنّ إلى زمنٍ كانت فيه الكلمة تُكتب بماء القلب، لا بلمس الشاشات.