الألباب المغربية
بقلم: د. حسن شتاتو
لم يعد خافيًا على المتابعين أن مقرّ الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف) يعيش حالة انقسام صامت، عنوانها صراع النفوذ قبل أن يكون خلافًا إداريًا. فبين لجان متناحرة، ورئيس لجنة انضباط من جنسية سنغالية، وتأخير مريب في الحسم، وجد المغرب نفسه – بعد طول ترقّب – ينتقل من موقع الانتظار إلى موقع الاستفسار المشروع، قبل أن يلوّح بخيار التوجّه إلى زيورخ، حيث مقرّ الفيفا، ثم المحكمة الرياضية الدولية (طاس).
هذا التأخير لا يمكن فصله عن سياق أوسع، تحكمه تحالفات قديمة داخل الكاف، يتقدّمها ما بات يُعرف بمحور أبناء “المقاطعات الفرنسية السابقة” في إفريقيا، وعلى رأسهم الكاميروني صامويل إيتو، والسنغالي أوغستين سانغور، الذين لفظتهم دواليب القرار في الفيفا والكاف بعد أن أزاحهم فوزي لقجع، مُعوّضًا إياهم بأسماء وازنة كالمصري هاني أبو ريدة والموريتاني أحمد ولد يحيى. إزاحة لم تمرّ دون أن تخلّف غُصّة في حلوق حلفاء اعتادوا التحكم في خيوط اللعبة من خلف الستار.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن المهزلة التي شهدها النهائي لم تكن حادثًا عرضيًا، بل سلسلة خروقات جسيمة جرت أمام أنظار العالم، بل وأمام أعين رئيس الفيفا نفسه. وإذا كانت كرة القدم الإفريقية تطمح إلى الحفاظ على ما تبقّى من مصداقيتها، فلا مناص من تطبيق القانون بأقصى درجات الصرامة، لأن الإفلات من العقاب هنا لا يعني سوى شرعنة الفوضى.
إن ما قامت به الجزائر، منتخبًا وجمهورًا، في مباراة نيجيريا، وما تلا ذلك من تحركات خلف الكواليس لجرّ السنغال إلى مسار عدائي ضد المغرب وضد البطولة نفسها، لا يمكن وصفه إلا بكونه أفعالًا مدروسة، شارك فيها – بدرجات مختلفة – مسؤولون، ومدربون، ولاعبون، وجمهور محسوب على المنتخب السنغالي. وإذا مرّت هذه الأفعال دون ردع، فإنها ستتحول إلى “سُنّة سيئة” تُمارَس في كل نسخة من كأس أمم إفريقيا.
ورغم هذا التشخيص، يبقى التشاؤم مشروعًا إزاء موقف الكاف، المؤسسة التي لاحقتها تهم الفساد لسنوات. ومع ذلك، فإن العدل – إن أُريد له أن يكون عدلًا – يقتضي:
• سحب اللقب من المنتخب السنغالي.
• سحب رخصة التدريب نهائيًا من المدرب السنغالي ومتابعته قانونيًا.
• فرض غرامات مالية ثقيلة وعقوبات رياضية على اللاعبين المتورطين.
• ملاحقة المخربين من الجمهور وكل من يقف وراءهم.
• ومعاقبة الجزائر بصرامة على أحداث مباراة نيجيريا، والذهاب أبعد من العقوبة الرياضية في حال ثبوت دورها القيادي في هذه المؤامرة.
إن اتخاذ هذه العقوبات – أو التهرّب منها – سيشكّل منعطفًا تاريخيًا في مسار الكاف:
إمّا بداية فعلية لمحاربة الفساد وتلميع صورة الكرة الإفريقية، ومعها الكاف والفيفا،
وإمّا تكريس صورة مؤسسة عاجزة، تُدار بمنطق التحالفات لا بمنطق القانون.
وفي كل الأحوال، تظل الكاف مطالَبة، أخلاقيًا وقانونيًا، بـتعويض المغرب عن كل الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت به، لأن ما حدث لم يكن مجرد خطأ تحكيمي أو انزلاق جماهيري، بل امتحانًا حقيقيًا لمصداقية منظومة كروية بأكملها.
كرة القدم الإفريقية اليوم أمام لحظة حقيقة:
إما العدالة… أو السقوط الحر.