الألباب المغربية/ خديجة بوشخار
في مبادرة إنسانية تعكس تزايد الوعي المجتمعي بقضايا الإعاقة، احتضن المركز الاجتماعي المتعدد الاختصاصات القدس بمدينة بني ملال، بعد زوال أمس الخميس 9 أبريل 2026، لقاءً علمياً وتحسيسياً حول اضطراب التوحد، تحت شعار: “التوحد والإنسانية يداً في يد من أجل الإدماج المجتمعي”، وذلك بمبادرة من جمعية المبادرة لإدماج الطفل التوحدي، تخليداً لليوم العالمي للتوحد المتزامن مع اليوم العالمي للصحة.
وشهدت هذه التظاهرة، حضور نخبة من الفاعلين في المجالين الصحي والتربوي، من ضمنهم الأخصائية في طب الأطفال، سهام بوحدادي، والمندوب الجهوي للصحة، عبد اللطيف العروسي، إلى جانب مهنيين في علم النفس وأخصائيي النطق، وباحثين، فضلاً عن مشاركة لافتة لأسر أطفال في وضعية توحد، مما أضفى على اللقاء طابعاً تفاعلياً يجمع بين الخبرة العلمية والتجربة الميدانية.
وتميزت أشغال الندوة، بتقديم عروض ومداخلات قاربت اضطراب التوحد من زوايا متعددة، همّت أساساً أهمية التشخيص المبكر، وسبل التكفل النفسي والتربوي، إضافة إلى رهانات الإدماج المدرسي والاجتماعي. كما تم التأكيد على ضرورة تبني رؤية مندمجة تقوم على التنسيق بين مختلف المتدخلين، من أسرة ومؤسسة تعليمية وقطاع صحي ومجتمع مدني.
وفي تصريح لها بالمناسبة، أكدت الأخصائية في طب الأطفال، سهام بوحدادي، قائلة، أن: “التشخيص المبكر لاضطراب التوحد يظل خطوة حاسمة في مسار التكفل، إذ يسمح بوضع برامج تأهيلية مناسبة تساعد الطفل على تطوير مهاراته التواصلية والاجتماعية. كما أن مواكبة الأسر نفسياً وتوجيهها أمر لا يقل أهمية عن العلاج ذاته.”
وأضافت، أن الجهود المبذولة على المستوى الجهوي تحتاج إلى تعزيز عبر إحداث مراكز متخصصة وتكوين أطر مؤهلة قادرة على الاستجابة لحاجيات هذه الفئة.
من جانبه، شدد سعيد حشادي، رئيس جمعية المبادرة لإدماج الطفل التوحدي، على البعد المجتمعي للقضية، حيث صرح قائلاً: “الرهان اليوم لا يقتصر فقط على التشخيص والعلاج، بل يتجاوز ذلك إلى بناء بيئة دامجة تضمن الكرامة والحقوق الكاملة للأطفال في وضعية توحد. نحن بحاجة إلى تضافر جهود جميع المتدخلين، من قطاعات حكومية ومجتمع مدني وأسر، من أجل إرساء منظومة متكاملة تواكب هؤلاء الأطفال منذ المراحل الأولى لنموهم، وتفتح أمامهم آفاق الاندماج الحقيقي داخل المجتمع.”
كما أشار إلى الدينامية التي تعرفها الجمعية من خلال أنشطتها التحسيسية وبرامج المواكبة، مبرزاً الحاجة إلى دعم أكبر لهذه المبادرات، خصوصاً في ظل تزايد عدد الحالات التي تتوافد يومياً على الجمعية.
وعلى مستوى الشهادات الحية، عبّر عدد من أولياء الأمور عن التحديات اليومية التي تواجههم، سواء من حيث محدودية المؤسسات المتخصصة أو ارتفاع تكاليف العلاج، مقابل تشبثهم بالأمل في تحسن ظروف التكفل.
وفي هذا السياق، صرّح أحد الآباء، متحدثا: “نواجه صعوبات كبيرة في إيجاد مؤسسات متخصصة قريبة، كما أن كلفة العلاج مرتفعة. نأمل أن يتم إحداث مراكز عمومية للتكفل بأطفالنا.”
كما أضافت إحدى الأمهات، قائلة، أن: “أكثر ما نحتاجه هو تفهم المجتمع. أطفالنا قادرون على التعلم والتطور إذا توفرت لهم الظروف المناسبة والدعم الكافي.”
من جهته، أبرز المندوب الجهوي للصحة، عبد اللطيف العروسي، أهمية التنسيق المؤسساتي، مؤكداً انخراط قطاع الصحة في دعم المبادرات الرامية إلى تطوير خدمات التشخيص والتكفل، وتعزيز برامج التحسيس والتوعية.
واختُتمت أشغال الندوة بجملة من التوصيات العملية، التي دعت إلى إحداث مراكز متخصصة، وتعزيز التمدرس الدامج، وتوفير دعم نفسي واجتماعي للأسر، إلى جانب تشجيع البحث العلمي وتكثيف الجهود التحسيسية لمحاربة الوصم والتمييز.
وبهذا، شكل هذا اللقاء مناسبة لتجديد النقاش حول قضايا التوحد على المستوى المحلي، وفرصة لتعزيز جسور التعاون بين مختلف الفاعلين، في أفق بناء مجتمع أكثر إنصافاً وتضامناً، يضمن الكرامة وتكافؤ الفرص لجميع أفراده.