الألباب المغربية/ محمد خلاف
بينما تغفو مدينتنا على وسائد الوعود المنسية، وتستفيق على سراب التنمية الذي يتبخر عند أول زقاق في “الهامش”، تبرز الكلمات كآخر القلاع الصامدة. الفقيه بن صالح ليست مجرد إحداثيات في لوائح انتخابية، أو أرقام صماء في تقارير جافة، بل هي نبضُ كرامة يأبى الانكسار، وجذورٌ أثيلة تضرب في عمق التاريخ لتعلن عصيانها على التهميش الممنهج. هي مدينة الكرامة التي احتضنت الجميع بقلب يسع الكون، لكنها اليوم تئن تحت وطأة عجز بنيوي واختلال مريب في موازين التنمية. ، بل هي نبض بشر يحلم بالرقي والعدالة، بعيداً عن سياسة “ذر الرماد في العيون” التي يتقنها بعض سماسرة الشأن العام.
إن استعادة “الهيبة” الضائعة لمدينتنا تتطلب ثورة إدارية وأخلاقية، تضع حداً لزمن “الولاءات الفجة” وترسم خارطة طريق واضحة المعالم:
1) القطاع الصحي: من “محطة عبور للموت” إلى مرفق للحياة….
تحتاج المدينة إلى مستشفى إقليمي متكامل، يفيض بالأطر المتمرسة…… لا مجرد “هيكل خرساني” كبير تتآكل حروفه قبل تدشينه، وبعد. إن كرامة المواطن تُهدر في الطريق إلى بني ملال، وفي غياب التجهيزات والأطقم الكافية، يصبح الحق في الصحة مجرد شعار أجوف. كفانا متاجرة بآلام الناس وجعل الدواء وسيلة للاستقطاب السياسي؛ نريد مستشفى يعيد للآدمية اعتبارها، وللمريض طمأنينته…..
2) الفضاء العمومي: بين “تفرعن” الإسمنت وغياب المتنفس
من حق الساكنة أن تجد مساحات خضراء تليق بالصحة النفسية والعقلية، بعيداً عن غزو المقاهي التي احتلت الأرصفة بـ”مباركة” الصمت المريب. المدينة تختنق بالخرسانة، والمواطن أضحى غريباً في شارعه، يزاحم السيارات بعدما صودرت حقوقه في المشي والتنزه. إن تحرير الملك العمومي ليس “حملة موسمية”، بل هو قرار سيادي يعيد للمدينة جماليتها المفقودة.
3) هيكلة الأسواق: يجب إنهاء زمن “الفوضى المنظمة”
لا يمكن لمدينة تحترم نفسها أن تظل رهينة “العشوائية”. نحتاج لأسواق نموذجية كثيرة تحفظ كرامة الباعة الجائلين وتنهي ركام النفايات وعرقلة السير. إن استغلال “الهشاشة” كخزان انتخابي هو جريمة في حق التنمية. نريد حلولاً واقعية تدمج هؤلاء الشباب في الدورة الاقتصادية بعيداً عن لعبة “القط والفأر” مع السلطات.
4) الثقافة والرياضة: بديل عن “مهرجانات الظلام”
الشباب يحتاج إلى دور ثقافة حقيقية وملاعب للقرب مؤهلة تفتح أبوابها للجميع، وليس لمهرجانات باذخة تُنفق فيها الملايين من أجل “صورة” عابرة. إن تحصين الناشئة من مخدرات “اليأس” والتشرد يبدأ بفتح آفاق الإبداع، لا بتغييب المثقف الحقيقي وتصدير الوجوه “المشهورة” التي لا تزيد الواقع إلا بؤساً.
5) الوعاء الصناعي: ترياق الهجرة والبطالة
لقد سئم شبابنا من انتظار “فيزا” المجهول أو قوارب الموت. الحاجة ملحة لمنطقة صناعية حقيقية، تُبنى على الشفافية في توزيع البقع، وتدعم الحرفيين بصدق. نريد منطقة تجذب الاستثمار، لا منطقة يسكنها “أصحاب الشكارة” الذين يراكمون الأراضي ويقتلون فرص الشغل في مهدها.
إن تشخيص الداء هو نصف الدواء، ومدينتنا اليوم في مفترق طرق. فإما أن تتحرك ضمائر “المسؤولين” لنفض غبار النسيان، وإما أن تظل المدينة رهينة سياسات “المهاذير” كما قال الشاعر. إننا لا نطلب المستحيل، بل نطلب حقنا في مدينة “تتنفس” عدلاً وكرامة…….
فمتى يدرك القائمون على الشأن العام أن الكراسي زائلة.. وأن أنين المهمشين لا ينساه التاريخ؟”
ختاما فالفقيه بن صالح ليست ركاماً من حجارة، بل هي حكايات صمود سطرها البسطاء بعرقهم وصبرهم. وما هذه الصرخة إلا محاولة لترميم ما أفسده النسيان، واستنهاض للهمم قبل أن تبتلع العشوائية ما تبقى من ملامح الجمال. لقد آن الأوان أن ننتقل من مرحلة ‘تجميل الواجهات’ إلى ‘إصلاح العمق’، فالتاريخ لا يكتبه من شيدوا القصور على أنقاض الأحلام، بل يكتبه من تركوا أثراً طيباً في حياة الناس. فهل من مستجيب لهذا الأنين، أم أن صدى الكلمات سيبقى حبيس الهجرة إلى المدن السفلى….