الألباب المغربية/ محمد خلاف
حين تسرق الأنانية بريق المدن، وتتحول الكراسي من أمانةٍ لخدمة الإنسان إلى تشريفٍ لتكديس الثروات، فنحن لا نتحدث هنا عن سوء تدبير عابر، بل عن “جريمة مكتملة الأركان” في حق أجيال لم تولد بعد. إن المشهد الذي يطالع المواطن اليوم في أزقة مدنه المنسية ليس مجرد حفرٍ في الطريق أو إنارة باهتة، بل هو انعكاس لثقوب في الضمائر التي اؤتمنت فخانت…..
لقد ابتكرت “نخب الريع” هندسةً غريبة للإخفاق؛ فهم يتقنون فن الخطابة في المواسم الانتخابية، ويعدون بالمنّ والسلوى، لكن وما إن تُغلق صناديق الاقتراع، حتى تُفتح شهية “الوزيعة”. يتحول المجلس الجماعي إلى “إقطاعية عائلية”، تُتبادل فيها المصالح تحت الطاولة، وتُفصَّل الصفقات على مقاس “المحظوظين” من الحاشية والمريدين.
”إن أشد أنواع الفساد فتكاً ليس نهب المال العام فحسب، بل هو اغتيال ‘الأمل’ في نفوس الشباب، وإقناعهم بأن التغيير ضرب من المحال، وأن الارتقاء لا يكون إلا عبر ممرات الولاءات الضيقة.”
إن المتأمل في حال الفضاء العام يدرك أن “عقيدة الإسمنت” قد دحرت “روح الجمال”. فالمساحات الخضراء التي كان يُفترض أن تكون رئات تتنفس بها المدينة، جرى تصفيتها بدم بارد لتتحول إلى كتل سكنية كئيبة تدر الملايين على سماسرة العقار بتواطؤ مع “حماة الدار”. أما الرصيف، ذلك الحق المشاع، فقد أضحى ملكية خاصة لمن يدفع أكثر، وسط صمت مريب من سلطات الرقابة التي يبدو أنها أدمنت “سياسة النعامة”.
وتحت مسميات براقة مثل “إعادة الهيكلة” و”التزيين الحضري”، تُستنزف الميزانيات في مشاريع “هشة”؛ طرق تُعبد في القيظ لتجرفها أولى زخات الشتاء، وأعمدة إنارة تُنصب كأجساد بلا أرواح، ودراسات تقنية بمبالغ خيالية لا تجد طريقها إلا إلى رفوف النسيان. إنها “مغارة علي بابا” التي لا يحرسها القانون، بل تحميها التحالفات الهجينة المبنية على منطق “انصر أخاك مفسداً أو مستفيداً”.
إن المدن التي تئن تحت وطأة الفساد لا تنتظر “معجزات”، بل تنتظر “زلازل محاسبية” تعيد الأمور إلى نصابها. إن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد ترفٍ دستوري للزينة، بل هو “طوق النجاة” الأخير.
وعلى الذين أطفأوا القناديل بزيوت الجشع أن يعلموا أن التاريخ لا يغفل، وأن صمت الشعوب ليس قبولاً بل هو احتقان لغضب ساطع آتٍ. فالمدن في نهاية المطاف ملك لسكانها، وليست “ضيعات” لمن عبروا في غفلة من الزمن.
إنّ زمن “الرقص على الجراح” قد آذن بالزوال، فوعي الشعوب هو السد المنيع الذي ستتحطم عليه أوهام المفسدين. لن تظل مدننا رهينةً في يد “سماسرة الأمل”، ولن تظل أصواتنا صدىً في وادٍ سحيق. لقد آن الأوان لتستعيد المدن ألقها، ولينفض المواطن غبار الاستسلام عن كاهله؛ فالحقوق تُنتزع ولا تُهدى، وفجر المحاسبة لا بد أن يبزغ مهما أدلهمَّ ليل الفساد. لن نكون مجرد عابرين، بل نحن الحماة والبُناة، والكلمة الفصل كانت وستبقى لمن يزرع الجمال لا لمن يحرث الوهم.
وخير ختم قوله تعالى …وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ” (سورة إبراهيم – 42).