الألباب المغربية/ حبيل رشيد
يقول مارسيل بروست: “القراءة لا تمنحنا أفكاراً جاهزة، وإنّما تضعنا على عتبة أفكارنا نحن… إنّها توقظ في داخلنا ما كان نائماً، وتفتح في الوعي ممرّاتٍ خفيّة نحو ذواتٍ لم نكن نعلم بوجودها… فكلّ قارئٍ حقيقيٍّ يعيد كتابة الكتاب في داخله، ويغادره مختلفاً عمّا كان عليه قبل أن يفتحه”…
من مؤسسة اقرأ الخاصّة بمدينة ابن أحمد، إقليم سطات، يتشكّل هذا المسار القرائي تشكّلاً هادئاً، ويتقدّم هذا الرهان الثقافي تقدّماً محسوباً، ويتكاثف هذا النفس الجديد تكاثفاً واعياً… حيث لا تُستدعى القراءة على سبيل التزيين، ولا يُستحضر الكتاب على سبيل الطقس، وإنما يُقام حوله مشروعٌ ممتدّ، لأجل إعادة الاعتبار للفعل القرائي بوصفه رافعةً للوعي، ومفتاحاً للتكوين، ومسلكاً لتشييد الذات…
في هذا السياق، تتقدّم الكاتبة والأستاذة ثوريّة هديوي حضوراً فاعلاً، لا ضجيج فيه ولا استعراض… حضورٌ يُقاس بالأثر، ويُختبر بالاستمرارية، ويُعرَف بما يتركه من تحوّلاتٍ دقيقة داخل المتعلّمين… امرأة عُرفت بالجدّ، لأجل إتقان العمل، وبالانضباط، لأجل تثبيت المسار، وبالمثابرة، لأجل أن يبلغ المشروع غايته دون انكسار…
منذ أن أُسندت إليها قيادة تحدّي القراءة العربي داخل المؤسسة، تغيّر النفس… تغيّر النفس القرائي، وتحوّل الإيقاع الداخلي للفعل التربوي، واتّسع الأفق شيئاً فشيئاً… فصار الاشتغال على القراءة اشتغالاً مقصوداً، لأجل بناء علاقة دائمة بين المتعلّم والنص، لا علاقة موسمية تنتهي بانتهاء المرحلة…
وبالموازاة مع ذلك، جرى التعامل مع التحدّي باعتباره مساراً متدرّجاً، لا قفز فيه ولا استعجال… حيث يُختار الكتاب اختياراً واعياً، وتُرافق القراءة مرافقةً دقيقة، ويُفتح باب النقاش فتحاً يحرّك الذهن ويستفزّ الحسّ… فالمتعلم يقرأ كي يفهم، ويتأمّل كي يُعيد النظر، ويتساءل كي تتّسع الدائرة…
ومنذ ترسّخ هذا التوجّه، بدأ الأثر يتشكّل في العمق… عمق اللغة، وعمق الفهم، وعمق التعبير… فصار المتعلّم يصوغ الجملة قصداً، وينتقي اللفظة حرصاً، ويرتّب الفكرة ترتيباً يخدم المعنى… لأجل ذلك، غدت القراءة فعلاً مولّداً للغة، لا مجرّد استهلاكٍ لها…
وعلاوة على ذلك، تمّ الاشتغال على الزمن التربوي اشتغالاً حكيماً… حيث يُوزَّع الجهد توزيعاً متوازناً، ويُستثمر الوقت استثماراً يخدم الغاية، وتُراكم التجربة تراكمَ الخبرة… فلا إنهاك يُفقد الحماسة، ولا تراخٍ يُبدّد التركيز… وإنما نسقٌ ثابت، ثابتُ الخطو، واضحُ الوجهة…
وفي هذا المسار، يتجلّى البعد الوجداني بوضوحٍ لافت… حيث يُستعاد الكتاب بوصفه رفيقاً، وتُستعاد القراءة بوصفها ملاذاً، ويُعاد تشكيل العلاقة مع النص على أساس الألفة والفضول… فالقارئ هنا لا يُدفَع دفعاً، وإنما يُستدرَج استدراجاً، لأجل أن يُقيم داخل المعنى إقامةً هادئة…
ومن جهة أخرى، يتقاطع هذا الجهد مع رؤيةٍ أوسع، رؤيةٍ ترى في تحدّي القراءة العربي فرصةً لإعادة بناء الذائقة، وإعادة ترتيب الأولويات، وإعادة الاعتبار للفكر المتأني… فالمؤسسة، تحت هذا النفس الجديد، تتحوّل إلى فضاءٍ حاضن، يحتضن السؤال، ويُشجّع على الاختلاف، ويُنمّي الجرأة على الفهم…
ومنذ ذلك، صار التحدّي داخل مؤسسة اقرأ فعلاً جماعياً… حيث تتداخل الأدوار تداخلاً واعياً، ويتحوّل النقاش إلى ممارسةٍ يومية، ويتحوّل النصّ إلى مادة حيّة… مادة تُفكَّك لأجل الفهم، وتُعاد قراءتها لأجل التأويل، وتُستثمر لأجل بناء موقف…
هنا، تتجلّى القيادة في صمتها… في هذا الصمت المنتج، الذي يُنصت أكثر مما يتكلّم، ويُوجّه أكثر مما يُعلن، ويُراكم أكثر مما يستعرض… فثوريّة هديوي لا تقود بالأوامر، وإنما تقود بالقدوة، وبالاستمرارية، وبالإيمان العميق بأن القراءة لا تُغرس دفعةً واحدة، وإنما تُنشأ إنشاءً طويلاً…
وبهذا المعنى، يتحوّل تحدّي القراءة العربي داخل مؤسسة اقرأ إلى مشروعٍ استراتيجيٍّ مكتمل الملامح… مشروعٍ يراهن على الإنسان، لأجل بناء وعيه، ويستثمر في اللغة، لأجل صقل أدواته، ويؤمن بالكتاب، لأجل توسيع أفقه…
هكذا، وبنَفَسٍ جديد، وبعملٍ موصول، وبقيادةٍ واعية، يُعاد صوغ المعنى القرائي داخل مؤسسة اقرأ الخاصّة بابن أحمد… صوغاً متأنّياً، عميقاً، ممتدّاً… حيث القراءة فعلُ بناء، وفعلُ تشكّل، وفعلُ أمل… أملٌ يتقدّم، ويتقدّم، ويتقدّم…