الألباب المغربية/ حبيل رشيد
رائعٌ ما يراه الشعراء… سماويٌّ ما يراه القديسون… مروّعٌ ما يراه المعذّبون… وأنا مفتون بالجميع، والطبيعة؛ ولذلك ألتقط البذرة والورقة والثمرة واللمحة والنغمة، ثم ينفجر إحساسي بها جميعاً، امتناناً لحكمة الحياة وسرّ الكون، فأذوق وأستمتع وأتوجّع وأئنّ وأرفض وأخطئ وأثور على كل ما يقع في يدي وفي عيني ومن عيني أيضاً…
إنني أفعل ما تؤديه الكائنات الأخرى الصغيرة في تواضع شديد… ما تفعله الفراشة والنحل، طائرات ذرات راجحات… تقبّل كل زهرة وتمتص وترفرف إلى الأبد… وهي جميعاً ونحن معها… تساهم في الكورس اللامتناهي لملايين المخلوقات التي تلمس إرادة الله وتنحني لكل ما هو جميل، ولكل ما له معنى وهدف… ولكن التواضع غريزة الحيوانات ورذيلة الإنسان… وليس من خصائص المفكر أو الفنان؛ فالفنان يريد أن يفعل شيئاً… أو يتوهم ذلك… يريد أن يجعل لكل ما يفعله معنى، أو يتمنى ذلك…
فهو فلاح في كل أرض، وربان كل بحر، وطيّار كل جو، وشاهد على كل حكمة أرضية أو سماوية في كل عصر… وهو بذلك يتحدى الطبيعة… إنه يريد أن يصعد الجبال ويهبطها إلى الأبد، حتى لو لم يكن لما يفعله أي هدف سوى التحدي… كما فعل البطل الإغريقي سيزيف… أو يقف في الماء العذب ولا يذوقه… ويحاول ويفشل ولكن رغبته لا تنطفئ… وهو يعلم أنه لا أمل… ولكنه يتحدى كما فعل البطل الإغريقي بروميثيوس… أو يحرث الأرض ويبذرها بالملح، وهو يعلم أن الملح مقبرة البذور، وهو يعلم أن الفاكهة لا تنبت من الملح… يحاول أن يضيف مرارة الملح إلى حلاوة الفاكهة… أن يضيف مرارة الواقع إلى حلاوة الوهم… منتهى الجنون أو منتهى الحكمة أيضاً… ولكنه لا يتوقف كما فعل البطل الإغريقي أوديسيوس… أو ينتهي بجمال الحياة والطبيعة والفن… وينسى كل شيء، كما فعل البطل الإغريقي أورفيوس…
إن الإنسان هو الذي إذا قامت القيامة راح يغرس شجرة، وهو يعلم أن عصفوراً أحدب لن يتأرجح على أغصانها، وأن إنساناً واحداً لن يستظل في ظلها، ولكنها إرادة التحدي التي تجعل الإنسان يزرع الحياة في وجه الموت… يلوّح بالأمل في أهوال اليأس والتحدي… هو الذي يجعله يحتفظ بصفة الفلاح في يوم انسحبت فيه الصفات من الجميع… ويجعله يضيف كلمة بعد أن وضعت نقطة نهاية السطر في نهاية كتاب الوجود… ولستُ إلى هذه الدرجة متفائلاً أو متشائماً… وإنما أنا إنسان مهموم بالآخرين وبنفسي… وعندي آراء في أشياء… بعض الآراء في بعض الأشياء بعض الوقت!
… أو هكذا أتوهّم!
ولكن، لننظر أعمق قليلاً… لننظر إلى الأفق كما لو كان لوحةً غير مرسومة بعد… كل شيء في الحياة يبدو وكأنه نص مفتوح، كلمات معلقة في الهواء، تنتظر من يقرأها بين السطور… بين الصمت والضجيج، بين الانكسار والانتصار… هذه هي الحياة… حركةٌ مستمرة… وعقلٌ يبحث عن معنى وسط فوضى التفاصيل…
أحياناً أشعر أن الإنسان يحيا مرتين… مرة في جسده، ومرة في رماده الداخلي… في هذا الداخل المظلم الذي يحفر ويبحث عن أثرٍ للجميل، عن لمسةٍ للحق، عن شعاعٍ للحرية… إن لم يفعل ذلك، فإن الوجود يصبح صدىً بلا صدى، حياةً بلا حياة… والنفس تموت قبل الجسد… وهذا الموت ليس إلا بداية رحلات أخرى…
أتابع، وأنا أراقب طيور السماء، كيف أنها لا تعرف الخوف… وكيف أن كل فجر يولد معها تجربة جديدة… تجربة الاستمرار على الرغم من كل شيء… كيف أن النحل والفراشات تلتقط الرحيق ولا تنتظر المقابل… وهنا يتضح الفرق بين الإنسان والكائنات الأخرى… نحن بحاجة إلى المعنى، إلى الاعتراف، إلى الغاية… أما هي فتعيش بلا سؤال، بلا توقّع، بلا تردد… تتلو دعاء الوجود من دون كلمات…
وفي كل مرة أرى الطبيعة بهذا الشكل… أرى حدة الإنسان… الرغبة في السيطرة، في التفسير، في وضع كل شيء في صندوق… بينما الكون، والزهرة، والورقة، والندى، والموجة، والفجر… جميعها تفلت من هذه القيود… تفلت من الحسابات… وتستمر في العمل الصامت الذي يثبت حكمة الحياة…
ثم، هناك الفنون… الفن هو محاولة الإنسان لتكرار هذا النظام… أو على الأقل محاولة فهمه… ولكن الفن لا يعيد الطبيعة، ولا يخلقها… إنه يلمسها… يحاول أن يستحضرها… كمن يكتب قصيدة عن شجرة وهو يعلم أن الشجرة لن تقرأ القصيدة… هذه التراجيديا التي يعيشها الفنان، هذا الصراع بين الرغبة والوعي… بين الفعل والنتيجة… بين الإرادة وما هو خارج السيطرة…
وأنا أفكر، وأعود إلى الإنسان… إلى نفسي… هل نحن حقاً بحاجة لكل هذه الهموم؟… أم أن كل هذا القلق جزء من الطبيعة الإنسانية؟… جزء من التحدي الذي يجعلنا نزرع في وجه الموت، نغرس في وجه اليأس، نضيف كلمة بعد النقطة النهائية… هذه ليست مجازفة صغيرة… إنها مقاومة كونية… إنها طريقة للبقاء… للبقاء في حياة الآخرين قبل أن نبقى في حياتنا…
إن الإنسان يحيا ليخلق معنى… حتى في أقسى الظروف… حتى في صمت القبور… حتى في فراغ الكلمات… هناك من يزرع الأمل، وهناك من يزرع الفرح، وهناك من يزرع الغضب… لكن كل هذه البذور تشترك في شيء واحد: إنها فعل التحدي… إنها رفض الاستسلام…
أحياناً، أرى نفسي كالطفل الذي يلوّح بعصا صغيرة نحو البحر… يعرف أن لا شيء سيتغير… ولكن العصا نفسها رمز… رمز لإرادة البشر في تحدي الطبيعة… في تحدي الزمن… في تحدي حدودنا… وكل منا يلوّح بعصاه الخاصة، وكل منا يغرس شجرةً في قلب العالم…
وهنا يأتي الوعي… الوعي بأن كل فعل، مهما بدا صغيراً أو بلا قيمة، هو جزء من النسيج الكبير… جزء من قصيدة الكون… نحن، بوعينا، نصنع المعنى… نصنع الجمال… نصنع الصمت الذي ينطق… نصنع الصرخة التي لا يسمعها أحد إلا نحن…
وإذا نظرنا إلى أعماق أنفسنا، سنجد أن هناك أشياء لا يمكن أن تفهم بالكلمات… لا يمكن أن تكتب… لا يمكن أن تُرى… هي مجرد شعور… لحظة… وموقف… وانفجار داخلي… انفجار يجعلك تتحدّث مع العالم بدون أن تتحرك… تتحدّث مع الزهرة… مع الطير… مع الشجرة… مع الحجر… مع نفسك…
إن الإنسان، إذا فهم هذا، يصبح فلاحاً في كل الأرض… ورباناً في كل بحر… وطيّاراً في كل جو… وشاهداً على كل حكمة… فهو يعيش خارج حدود الحياة اليومية… خارج قيود الزمان والمكان… يعيش في قلب الحدث الكوني… في مواجهة الموت… في مواجهة اليأس… في مواجهة كل ما لا يفهم… ويستمر… يزرع… يخلق… يضيف… يتحدى…
والأمر الأكثر إثارة هو أن الإنسان يفعل كل هذا بلا ضمانات… بلا وعود… بلا شهرة… بلا تقدير… كل هذا الفعل هو بحد ذاته مكافأة… كل عمل، مهما كان بسيطاً… كل كلمة، كل تفكير، كل شعور… كل لحظة حقيقية هي انتصار… حتى لو لم يفهمها أحد… حتى لو لم يُلاحظها العالم…
وبهذا، يعود الإنسان إلى ذاته… إلى فلسفته… إلى سرّه العميق… إلى قناعته بأن كل فعل مهما بدا تافهاً، هو جزء من قصة أكبر… قصة الوجود… قصة الحياة… قصة التحدي… قصة الجمال… قصة الفرح والحزن… قصة كل ما يجعلنا بشراً…
وأنا، في هذا الوعي، أعود إلى التفكر… أعود إلى الطبيعة… أعود إلى نفسي… وأتساءل: هل نحتاج أكثر من أن نكون حاضرين؟… حاضرين بوعي… حاضرين بإحساس… حاضرين بفعل… حاضرين بالتحدي… وهل يكفي أن نتوهّم… أو أن نحلم… لنخلق معنى؟… أحياناً… نعم… أحياناً… لا… ولكن المحاولة هي كل شيء… المحاولة هي الحياة نفسها…
وهكذا… يظل الإنسان بين التحدي والانسحاب… بين الفعل والتأمل… بين اليأس والأمل… بين الفرح والحزن… يتحدى… يزرع… يضيف… يبتكر… يخلق… يكتب… ويقرأ… ويحلم… ويعيش… ويُحب… ويكره… ويغفر… ويثور… ويتأمل… ويصمت… ويتحدث…
وأخيراً، أعود إلى نفسي مرة أخرى… أعود إلى هذه الأمنية… هذه الأمنية التي تبدو بسيطة ولكنها عميقة… أريد أن أعيش كل شيء… أن أرى كل شيء… أن أفعل كل شيء… أن أفهم كل شيء… أن أشعر بكل شيء… أن أزرع الحياة… أن أتحدى الموت… أن أضيف الكلمة بعد النقطة النهائية… أن أكون… كما أتوهّم… أو هكذا أتمنى!