مونديال قطر.. القطار ينطلق

عزيز لعويسي

في حفل افتتاحي بهيج، حضرت فيه كل مشاهد التميز وطقــوس التألق والإبداع، انطلق قطار “مونديال قطر 2022” الذي دخل  فعليا، تاريخ كأس العالم من بوابتـه  الواسعة، ليس فقط، لأنه نظم لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي والعالم العربيالإسلامي، ولكن، لأنه أيضا، قطع مع احتكارالقوى الكبرى للمونديـال، وأتاح للبلدان الصغيرة فرصة احتضان التظاهرة الكروية الأغلى في العالم، ومنحها حق الاستفادة مما يدره التنظيم، من منافع مادية ومكاسب رياضية، ومن إشعاع  عالمي.

إمارة قطرالمتربعة بين ضفاف الخليج، كسبت الرهانين، “رهان التقدم والازدهار والرخاء”، الذي جعلها تضاهي بل وتتفوق على الكثير من  الدول المتقدمة في أوربا وآسيا وأمريكا، على مستوى البنيات والتجهيزات والملاعب وجودة الحياة، و”رهان الظفر بتنظيم كأس العالم لكرة القدم”، الذي لازالت كرته تتدحرج بين أقدام كبار العالم، وبين الرهانين، تقدم قطر رسالة مفتوحة للعالم العربي، مفادها أن  الثروات والخيرات، لما تكـون في خدمة البناء والنماء والرخاء والإشعاع، تسمـح بالحلم، حتى لو كان كبيرا، بحجم وثقل كأس العالم.

الصغيرة قطر، بما تعرضه أمام العالم وجماهير كرة القدم بالخصوص، من  ملاعب وبنيات رياضية من الطراز العالمي، ومن طرق ومواصلات واتصالات ومرافق وتجهيزات، ومن مشاهد التمدن والرخاء والازدهار، فهي تقــدم صورة مشرقة ورائعة عن البلاد العربية وثقافتها، من شأنها القطع مع الصــورة النمطية للعرب خصوصا والمسلمين عموما، وهذه الصورة التي ستنقل مشاهدها إلى العالم عبر وسائل الإعــلام طيلة المونديال، تبقـى خير جسـر لتواصل  العالم مع العرب، وخيـر قناة لتمريـر الثقافة العربية والإسلامية، وما تزخر به من تقاليد وعادات وطقوس  ودين ولغة وأنمـاط عيـش…

مونديال قطرأو مونديال العرب، هو أكثر من موعد كروي  تتنافس فيه منتخبات العالم على الكأس الأغلى في العالم، هو أيضا، عرس مونديالي مفتوح أمام شعوب العالم، للتلاقي والتعارف، وتقاسم الثقافات واللغات والتقاليد والعاداتواللهجاتواللباس وأنماط العيش، هو موعد يتكرر كل أربع سنوات، لاستحضار الإنسانية التي تجمعنا في المشارق والمغارب، مهما اتسعت دوائر اختلافنا،  والجنوح الذي لا محيد عنه، نحو ضفاف الأخوة التي تربطنا ببعض، مهما اختلفت بنا السبل والمسالك، هو لحظة تتكرر كل أربع سنوات، تسائل أنانيتنا وعنادنا وجشعنا وتهورنا وعبثنا، وسعينا المستدام إلى  تدمير بعضنا البعـض… وقبل هذا وذاك، هو فرصة للتأمل، تفرض علينا أكثر من أي وقت مضى، طرح أسلحة عنادنا وتهورنا وأنانيتنا المفرطة، والتحرك بروح  رياضية وإنسانية أيضا، لإعادة بناء العالم الذي يضمنا، باسم الإنسانية التي تجمعنا والأخوة التي تربطنا…

قطر وهي تبهر العالم في حفل الافتتاح، أبانت بما لا يدع مجـالا للشك، أن العرب قادرون على رفع التحديات وكسب الرهانات الكبرى، لما يزخرون به من إمكانات وخيرات طبيعية ومؤهلات بشرية، ولا ينقص سوى جعل الخيرات التي حبى بها الله عز وجل المنطقة العربية، في الإصلاح والبناء والنماء والرخاء والازدهـار، خدمة للشعوب العربية وانتظاراتها وتطلعاتها.

نجاح قطر في كسب رهانات البناء والتحديث والإشعاع العالمي، لن يكون إلا قوة دافعة، في اتجاه التوقيع على  واحدة من دورات كأس العالم، الأكثر نجاحا وتميزا وإشعاعا، وهذا النجاح  سيكون نجاحا لكل البلدان العربية برمتها، ويمكن الرهان عليه لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، من حيث التحرك في اتجاه تطوير واقع الممارسة الكروية في قطر و العالم العربي والارتقاء بالبنيات الرياضية في البلدان العربية، والجنوح نحو لم الشمل العربي ومد جسور التضامن والتعاون والاندماج، والتصدي لكل الممارسات العابثة التي تهدد الأمن القومي العربي، وقبل هذا وذاك، الاستثمار الأمثل للخيرات والمنافع، بما يخدم حاضر الشعوب العربية ومستقبلها، على غرار ما قامت وتقوم به  قطر وكافة دول الخليج العربي ودول عربية أخرى.

منتخب قطر الذي تعثر للأسف في مباراة الافتتاح،  لن نطلب منه الفوز بكأس العالم في ظهوره الأول في هذا العرس الكروي العالمي، وأكيد لن نطلب ذلك،  حتى بالنسبة لباقي المنتخبات العربية والإفريقية وعدد من الأمم المشاركة، لأسباب متعددة الزوايا، يتقاطع فيها التاريخي والموضوعي والنفسي والتقني والتكتيكي والمهاري، والوصول إلى دائـرة التباري على الكأس العالمية، يقتضي  أولا الاستثمار في الرأسمال البشري  على مستوى التكوين والتأطير، وفي  الملاعب والبنيات الرياضية ذات الطراز الدولي، ويقتضي ثانيا تجاوز “عقد” الإقصاء المبكر في الدور الأول، بدليل أن المنتخب المغربي على سبيل المثال لا الحصر، شارك في أكثر من دورة مونديالية، ولم يفلح في تجاوز الدور الأول إلا مرة يتيمة بمناسبة مونديال مكسيكو 1986.

وفي جميع الحالات، ومهما كانت حصيلة  المشاركة القطرية، فهذه لن تكــون إلا  بداية مشجعة، لامناص من  حسن استثمارها، لبلورة استراتيجية كروية متعددة الزوايا، قـادرة على  صناعة منتخب قطـري قادر على المنافسة والتبـاري في  تظاهرة عالمية بحجم كأس العالم، ويبقى المدخل الأساس لبلوغ هذا المسعى، هـو  الارتقاء بمستوى  الدوري القطري للمحترفين، بالرهان على الطاقات والمواهب المحلية، والمضي قدما في اتجـاه فرض السيطرة على مستوى  بطولات الخليج وكأس آسيا، حينها يمكن البلاء الحسن في منافسات كأس العالم. وفي خاتمة المقال، نتمنى حظا موفقا للمنتخب القطري الشقيق، وحظا مماثلا للمنتخب الوطني لكرة القدم، الذي نأمل أن يتجاوز عقدة الدور الأول، ويمر عن جدارة واستحقاق إلى الدور الثاني، ولم لا المرور إلى أدوار متقدمة، ونرى حسب تقديرنا، أن كل الظروف متاحة، للتوقيع على مشاركة استثنائية، في مونديال استثنائي، يعد الأول من نوعه في العالم العربي والإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.