الألباب المغربية/ سعيد موزك
شهدت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، يوم الجمعة 7 نونبر 2025، حفل افتتاح ماستر “سيكولوجيا الإعاقة” للموسم الجامعي 2025-2026، في خطوة أكاديمية رائدة تهدف إلى تأطير قضايا الإعاقة من منظور سيكولوجي شمولي.
انطلق الحفل بكلمة ترحيبية ألقاها الطالب الباحث يونس جابر ممثلا عن طلبة الفوج الأول لهذا التخصص الجديد، حيث عبر عن سعادة زملائه الغامرة بالانتساب إلى هذا المسار الأكاديمي المتميز. وقد أكد في كلمته على استعداد الطلبة التام لإنجاح رهانات هذا التخصص عبر الانخراط في البحث العلمي الجاد والمثابرة في العمل، منطلقا من إحساسهم العميق بالمسؤولية الأخلاقية والإنسانية تجاه قضايا الإعاقة.
وحرص المنظمون على توفير ترجمة فورية بلغة الإشارة طوال فعاليات اللقاء، تولى مهمتها الأستاذ محمد الشيكري أستاذ لغة الإشارات، الذي نقل مضامين الكلمات والمداخلات بدقة وحرفية عالية، مجسدا عمليا مبدأ الشمولية والمساواة في الوصول إلى المعلومة.
ثم كلمة الدكتور محسن بطشي، نائب عميد الكلية للشؤون البيداغوجية، مشيدا بالأبعاد العلمية والاجتماعية لهذا البرنامج، معتبرا إياه إضافة نوعية تثري الحقل المعرفي وتستجيب لحاجة مجتمعية ملحة.

كما قدمت الأستاذة الدكتورة عتيقة بونو، منسقة ماستر سيكولوجيا الإعاقة وأستاذة علم النفس المعرفي بذات الجامعة، كلمة مسلطة فيها الضوء على المسيرة الأكاديمية والحقوقية للضيف المحاضر الدكتور عدنان الجزولي، مشيدة بانخراطه الطويل في الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
في محاضرته الرئيسية تحت عنوان “الإعاقة في المجتمع المغربي بين الواقع والمأمول”، قدم الدكتور عدنان الجزولي تحليلا عميقا، مؤكداً أن انخراطه في هذا الحقل “ليس تكليفا، بل رسالة له في الحياة”.
وسلط الضوء على مضامين خطاب جلالة الملك المتعلق بالسياسات العمومية والعدالة المجالية، معربا عن أمله في أن تحظى قضايا الإعاقة بالموقع اللائق بها ضمن هذه المشاريع، بعيدا عن منطق الشفقة والإحسان.
أكد الجزولي أن “الزمن المهدور” يمثل مفهوما محوريا في فهم معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة، مشيرا إلى أنه ليس مجرد وقت يمر، بل هو عمر يضيع في انتظار تحويل النصوص القانونية إلى واقع ملموس. وأوضح أن هذه الفجوة الزمنية تخلق إحباطا مزمنا، وتؤدي إلى فقدان تدريجي للثقة في المؤسسات.
كما أنه انتقد النظرة التقليدية التي تحصر الإعاقة في الجانب البيولوجي، مشددا على ضرورة تبني “النموذج البيئي-النظمي” الذي يراعي تفاعل العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية. حيث لا يمكن فهم الإعاقة بمعزل عن السياق المجتمعي الذي تعيش فيه، فهي نتاج تفاعل معقد بين الفرد وبيئته.
كما كشف عن العلاقة العضوية بين الإعاقة والفقر قائلا: “الأشخاص ذوي الإعاقة هم الأكثر فقرا بين الفقراء، وهذا ليس صدفة، بل نتيجة حتمية لسياسات لم تستطع كسر هذه الحلقة المفرغة”. وأضاف أن هذا التهميش المزدوج يجعل الخروج من دائرة الفقر مهمة شبه مستحيلة.
توقف المحاضر عند الآثار النفسية للتمييز الهيكلي، مشيرا إلى أنه “يسهم في تشكيل هوية مجروحة، ويعزز مشاعر الدونية. وربط هذا التحليل بنظرية التمكين، اي أن الوصمة الاجتماعية لا تقل خطرا عن الإعاقة ذاتها، بل قد تفوقها تأثيرا في بعض الأحيان.
خصص الجزولي جزءا من محاضرته لإشكالية التسميات، مقترحا تعديل مصطلح “بطاقة المعاق” إلى “بطاقة درجة الإعاقة”. ولأن الكلمات ليست حروفا مجردة، بل تحمل في طياتها دلالات نفسية عميقة، وتؤثر مباشرة في تكوين الصورة الذاتية للأفراد.
اختتم الدكتور عدنان مداخلته برسم ملامح الرؤية المستقبلية، داعيا إلى “الانتقال من ثقافة الإحسان إلى ثقافة الحقوق، ومن منطق الشفقة إلى منطق التمكين”. وأكد أن هذا التحول ليس ترفا فكريا، بل ضرورة ملحة لبناء مجتمع شامل للجميع.
هذه المداخلة الغنية وضعت الأسس العلمية والعملية لرؤية جديدة في التعامل مع قضايا الإعاقة، تليق بالتطلعات الملكية السامية في بناء مجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية.
واختتم اللقاء بكلمة الأستاذ الدكتور عبدالمالك أصريح الذي نوه بالمجهودات العلمية المبذولة من قبل فريق الماستر وطلابه، مشيدا بالأبحاث والدراسات التي ينتظر أن يقدموها في هذا التخصص.
يمثل هذا اللقاء التواصلي الافتتاحي لماستر “سيكولوجيا الإعاقة” إضافة نوعية تثري المشهد الأكاديمي والبحثي، ليس فقط في رحاب جامعة ابن طفيل، بل على امتداد المستويين الوطني والدولي. ولا شك أن نجاح فعاليات هذا اللقاء سيبقى رهينا بتظافر جهود جميع أطرافه؛ أساتذة وإدارة وطلبة، في انخراط جماعي يعبر عن الالتزام بغاية واحدة.
وقد قدم اللقاء في سياقه مجموعة من الإشارات الدالة، كانت أولاها الجدية الواضحة التي أبرزتها منسقة البرنامج الدكتورة عتيقة بونو، واستعدادها لتقديم رصيدها المعرفي والخبري من الموقع الأكاديمي الأصيل، للإسهام في إنجاح الأوراش الكبرى والمشاريع التي فتحتها الدولة لأجل الأشخاص في وضعية إعاقة.
أما الإشارة الثانية، فتتعلق بإثراء العرض الجامعي النوعي الموجه لطلبة علم النفس، خاصة في زمن يزداد فيه الطلب على الخدمات السيكولوجية، ويغدو الانتفاع بمخرجات هذا الماستر رهانا راهنا بالغ الأهمية لمجتمعاتنا، على المستويين الوطني والدولي.