الألباب المغربية/ ميمونة الحاج داهي
نبيل بنعبد الله واحتمال قيادة الحكومة المغربية “السياسة لا تعيد إنتاج نفسها، بل تعيد إنتاج من يتقن قراءتها.”
أقولها وأنا أفتح هذا الفصل الجديد من سلسلة “ماذا لو؟”.. لا لأنني أؤمن بالتكهّن، بل لأن في السياسة متسعًا لاحتمال العقل. فكروا معي: ماذا لو عاد نبيل بنعبد الله إلى الواجهة، لا كمعارض صبور، بل كرئيس حكومة ؟ هل يبدو هذا الاحتمال غريبًا ؟ أم أنه فقط مؤجل؟
أبدأ من هنا، لأنني لا أطرح الأسماء عبثًا، هذا الرجل لم يغادر المشهد فعليًا. كان يبتعد بحذر، ويعود بذكاء، يُعارض حين يصبح الصمت خيانة، ويقترح حين يُصبح الكلام فارغًا. لهذا أسأل نفسي: ماذا لو صعد نبيل؟ لا إلى المنصة فحسب، بل إلى موقع القرار الأول؟
المفصل الأول: حين يتقدم التاريخ من اليسار
لا يمكن إنكار أن لنبيل بنعبد الله ولحزبه إرثًا سياسيًا راسخًا. تجربة امتدت من المعارضة الجذرية إلى الحكومات المتعاقبة، دون أن تفقد كليًا نبرتها النقدية. السؤال اليوم ليس عن الماضي، بل عن قابلية هذا اليسار لأن يكون مستقبلًا. هل يكفي التاريخ؟ أم أن الحاضر يطالب بنسخة محدثة من يسار يُدبر ولا ينوح، يُقنع ولا يصرخ ؟
المفصل الثاني: الرجل الذي لم يغادر الهامش تمامًا
نبيل كان دومًا على مقربة، ليس في الصورة تمامًا، لكن صوته مسموع. ظل يكتب، يُصرح، يفاوض، يتراجع حينًا، ويتقدّم أحيانًا. احتفظ لنفسه بمسافة تتيح له قول ما لا يُقال. وأنا أتساءل: هل يمكن لمن راكم هذا الذكاء في الظل أن ينجح في الضوء؟ هل يصلح الرجل الذي اعتاد الهامش، أن يقود في قلب المركز؟
المفصل الثالث: يسار بثوب اجتماعي جديد؟
ماذا بقي من الاشتراكية ؟ هذا سؤال يتكرر في ذهني. السوق تُهيمن، والطبقات الوسطى تتآكل، والمطالب تتعقّد. لكنني أؤمن أن اللحظات الصعبة تُنضج البدائل. فهل يمكن لحزب التقدّم والاشتراكية أن يُعيد صياغة خطابه؟ أن يُزاوج بين الحماية الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية؟ أن يقول للفئات الهشة: “لسنا البديل عنكم، نحن أنتم… لكن بصيغة قادرة على الحكم”؟
المفصل الرابع: الحليف المحتمل… والخصم الممكن
القيادة اليوم ليست فردًا فقط، بل شبكة. من سيتحالف مع نبيل؟ مع من يتقاطع؟ من يثق فيه؟ الخريطة الحزبية متكسرة، والمزاج الشعبي لا يميل لأي لون ثابت. قد لا يكون اليسار قويًا بما يكفي ليحكم وحده، لكنه قد يكون عقل التحالفات الذكية. السؤال ليس فقط من يقف معه، بل من لا يعطله؟
المفصل الخامس: كاريزما الرماد أم لهب الفكرة؟
نبيل ليس من الزعماء الذين يصنعون الصخب. لكنه حاضر، لبق، مقنع. يساري بأناقة لافتة. فهل تكفي هذه النبرة الهادئة لتقنع جمهورًا تعوّد على الخطابة النارية؟ هل يريد الناس وجوهًا جديدة، أم أنهم يريدون فقط نبرة صادقة؟ قد لا يثير العواصف، لكنه يعرف كيف يعبر العاصفة.
الريتاج : السياسة لا تقيس الحظ بالضجيج، بل باللحظة التي تفتح بابا لاسم كان يقف على الهامش طويلا، نبيل بنعبد الله ليس مرشحا تقليديا للقيادة، لكنه ليس غريبا عن دواليبها. قد لا يحمل مفاتيح الأغلبية، لكنه يُجيد قراءة الأقفال. وربما هذا ما نحتاجه: ليس زعيما يعلو فوق الجميع، بل قائدا يفهم الجميع.
هل يستطيع يسار هادئ، معتدل، لكنه صلب في قناعاته، أن يقود مرحلة تعبت من الأجوبة الجاهزة؟ هل نُجرب الرفيق كوجهة، لا فقط كذاكرة؟ وهل نملك، كمجتمع، الشجاعة لنجعل من الحضور الفكري بديلا عن الصخب السياسي؟
أسئلة كثيرة، لا أزعم امتلاك أجوبتها. أنا فقط أستدعي العقل ليجرب معنا التفكير من زاوية مغايرة. السياسة ليست أحجية، لكنها أيضا ليست عادة. أحيانا يكفي أن نُزحزح الفكرة من مكانها، حتى نرى المشهد من جديد.
وهذا لأني اخترت أن أفكر بصوت عالٍ.