قضية الصحراء المغربية.. ثنائية “المنظور” و “النظارة”

عزيز لعويسي

يحتفي الشعب المغربي قاطبة، بالذكرى 47 للمسيرة الخضراء المظفرة، التي  تشكل حدثا بارزا ومشرقا في تاريخ المقاومة واستكمال الوحدة الترابية للمملكة، ومحطة وضاءة، في صرح الذاكرة النضالية والتحريرية الوطنية،  وإذا كان من الصعب، الإحاطة  بتفاصيل وطقوس هذه المسيرة الخالدة، في مقال  تتحكم فيه ضرورات الإيجاز والاختصار، فيكفي قولا، أنها شكلت واحدة  من أكبر المسيرات السلمية في العالم، وإحدى أقوى وأعظم الملاحم النضالية في التاريخ الحديث والمعاصر، لما ميزها من تعبئة جماعية غير مسبوقة، ومن تنظيم محكم قل نظيره، ومن إصرار  على التحدي  وركوب المخاطر، ومن تحمل للمحن والشدائد، في سبيل  الدفاع عن  وحدة الأرض وسلامة التراب، وهذه الذكرى المجيدة، تحل هذه السنة في سياقين مترابطين ومتفاعلين عام وخاص.

– السياق العام: يرتبط بما تحقق في قضية الوحدة الترابية، من مكاسب دبلوماسية، منذ التدخل الحاسم والحازم للقوات المسلحة الملكية بمعبر الكركرات بتاريخ 13 نونبر 2020، وما أعقب ذلك  من  دينامية دبلوماسية متعددة الزوايا، من عناوينها البــارزة ،  اعتراف أمريكي  غير مسبوق  بالسيادة الكاملة للمغرب على صحرائه، وافتتاح  حوالي 30 دولة، قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة،  في  رسالة عاكسة لما بات يحظى به الموقف المغربي من دعم ومن اعتراف دولي واسع،  سيما في المحيط الإفريقي والعربي،  وتغير مواقف  عدد من  الدول الوازنة  في الاتحاد الأوربي بخصوص  قضية الوحدة الترابية،  في  مقدمتها إسبانيا التي لم تجد بديلا، سوى  الميل إلى الطرح المغربي  والمضي قدما في اتجاه فتح  عهد جديد من العلاقات مع الرباط، مبني على  مبادئ الصداقة وحسن الجوار ولغة المصالح المشتركة، فضلا عن مواقف عدد من الدول  في القارة الأمريكية.

– السياق الخاص: نوجه من خلاله البوصلة كاملة، نحو  قمة  “لم الشمل” بالجزائر، التي  شكلت  منعطفا حاسما في  مسار قضية الوحدة الترابية، بناء على  ما حققه المغرب  من أهداف حاسمة في المرمى الجزائري “الكابراني”،  كرست  مغربية الصحراء،  بدءا بنشر  خريطة المغرب كاملة والاعتذار عما طالها من تـلاعب  جبان،  مــرورا بعدم التفوه لا من  قريب ولا من بعيد  باسم “جمهورية الوهم والسراب”، وعدم التجرؤ على  استدعاء  المدلل “بن بطوش” كضيف شرف في القمة العربية، وانتهاء  بنجاح  المغرب في  تمرير مشروع   يدين التدخلات  الإيرانية في  الخليج، والمغرب عبر “عصابة تندوف” وحاضنتها الجزائر،  وهذه الأهداف  المسجلة في عقر الدار،  لم تكـرس فقط، الإجماع العربي حول قضية الوحدة الترابية للمملكة، ومن خلالها حول وحدة الدول العربية وسيادتها، بل وكشفت عن سوءة نظام الشـر، باعتباره أكبر عابث بالأمن القومي والاستراتيجي العربي.

وسواء تعلق الأمر بالسياق العام أو الخاص،  فما هو ثابت  وواضح للعيان،  أن قضية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، باتت تجنح أكثر من أي وقت مضى نحو آخر منعرج لها، في ظل  اتساع دائرة الإجماع الدولي، سيما العربي والإفريقي، حول مغربية الصحراء ونجاعة ومصداقية الحكم الذاتي  المقترح من قبل المغرب، و ارتفاع منسوب التحذيرات الإقليمية والدولية بخصوص الصلات القائمة بين الانفصال والجريمة والإرهاب، وهي المعادلة التي تم الاعتراف بها على مستوى  مؤتمر التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش الذي انعقد قبل أشهر بمدينة مراكش، وبعده على مستوى القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي  المنعقدة بمالابو بغينيا الاستوائية حول موضوع “الإرهاب والتغييرات غير الدستورية بإفريقيا”، مما يدخل عصابة “البوليجزاريو” في قفص الجماعات المسلحة الإرهابية، سيما بعدما ثبت  توصلها بطائرات مسيرة من  إيران، لتهديد أمن واستقرار المغرب،  فضلا عن تغير مواقف دول أوربية وازنة بخصوص قضية الوحدة الترابية، من قبيل ألمانيا وهولندا والبرتغال وصربيا وهنغاريا وقبرص ورومانيا وإسبانيا…

جلالة الملك محمد السادس، وفي خطاب موجه إلى الأمة  بذات المناسبة،  أكد بما لايدع مجالا للشك، أن  معركة الدفاع عن مغربية الصحراء، بقدر ما  تتأسس على  الأدوات  السياسية والدبلوماسية الداعمة  لسيادة المغرب على صحرائه والمؤيدة لمقترح الحكم الذاتي، بقدر ما تراهن على  استراتيجية البناء والنماء، وفي هذا الصدد، أكد جلالته  “إن توجهنا في الدفاع عن مغربية الصحراء، يرتكز على منظور متكامل يجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي، والنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية للمنطقة”، وهذا المنظور  الموسوم بالواقعية  والفاعلية والحكمة والتبصر،  يعكسه  التوسع المستمر  لدائرة الإجماع الدولي حول  مغربية الصحراء، كما يعكسه الزخم التنموي الذي تعرفه  الصحراء المغربية، في سياق  تنزيل  البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية الذي تم توقيعه أمام أنظار  جلالة الملك بمدينتي  العيون – نونبر 2015-  والداخلة – فبراير 2016-.

في هذا الصدد، استعرض جلالة الملك، جوانب مما تعيشه الأقاليم الجنوبية للمملكة من زخم تنموي، من قبيل “إنجاز الطريق السريع تزنيت – الداخلة” الذي دخل مراحله الأخيرة، والذي سيكون بدون شك، طريقا للوحدة والبناء والنماء، وجسرا طرقيا واستراتيجيا بين المغرب وعمقه الإفريقي، و”ربط المنطقة بالشبكة الكهربائية الوطنية” و”تقوية وتوسيع شبكات الاتصال”، و”إنجاز محطات الطاقة الشمسية والريحية المبرمجة”، و”الشروع في أشغال بناء ميناء الداخلة الأطلسي” بعد الانتهاء من مختلف الدراسات والمساطر الإدارية، والذي يعول عليه،  ليكون واجهة  تجارية مغربية أطلسية  عالمية، مفتوحة على إفريقيا والعالم، على غرار الدور الذي يضطلع به ميناء طنجة المتوسط في  المجال المتوسطي، وتدعيم البنيات الاقتصادية عبر “إنجاز مشاريع مرتبطة بتحويل وتثمين منتجات الصيد البحري”، التي يتوقع أن توفر فرص شغل مهمة، وإعطاء دينامية للقطاع الفلاحي من خلال “تطوير أزيد من 6000 هكتار بالداخلة وبوجدور، ووضعها رهن إشارة الفلاحين الشباب”، فضلا عن المشاريع المرتبطة بشبكة الماء والتطهير التي بلغت مستويات متقدمة على مستوى الأشغال، دون إغفال المشاريع والمنجزات ذات الطبيعة الاجتماعية كالتعليم والصحة، ومبادرات دعم التشغيل الذاتي، واللغة والهوية الحسانية باعتبارها مكونا رئيسيا للهوية الوطنية الموحدة.

ومنظور جلالة الملك محمد السادس لقضية الصحراء المغربية، لا يتوقف فقط، عند حدود وضع الأقاليم الجنوبية على سكة الإقلاع التنموي الشامل، ولا عند حصد المزيد من المواقف الإقليمية والدولية الداعمة لعدالة القضية الوطنية، بل تتجاوز ذلك، إلى مقاربة قارية ذات طابع “جيواستراتيجي”، تروم  في شموليتها دعم وحدة واستقرار إفريقيا، وتعزيز أمنها الطاقي، والنهوض بمستوى تنميتها الاجتماعية والاقتصادية، عبر الرهان على تنزيل واحد من المشاريع الطاقية العملاقة و الاستراتيجية على المستوى العالمي، ويتعلق الأمر بمشروع “أنبوب الغاز نيجيريا المغرب”، وفي هذا الإطار أكد جلالته “إننا نعتبر أنبوب الغاز نيجيريا المغرب أكثر من مشروع ثنائي بين بلدين شقيقين،  وإننا نريده مشروعا استراتيجيا لفائدة  غرب إفريقيا  كلها، التي بلغ عدد سكانها أكثر من  440 مليون نسمة، وذلك لما يوفره من فرص  وضمانات في مجال الأمن الطاقي  والتنمية الاقتصادية  والصناعية والاجتماعية، بالنسبة للدول الخمسة عشر  للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا،  إضافة  إلى موريتانيا والمغرب”، مضيفا في ذات السياق “إنه مشروع  من أجل السلام والاندماج الاقتصادي الإفريقي  والتنمية المشتركة. مشروع  من أجل الحاضر والأجيال القادمة”.

المشروع الطاقي العملاق الرابط بين نيجيريا والمغرب عبر عدد من بلدان الغرب الإفريقي، والذي طالما عرقله نظام  الشر، بكل الطرق الجبانة والوسائل القدرة، نكاية في المغرب، باتت له أهميته القصوى والاستراتيجية، في ظل أزمة الطاقة التي تمر منها أوربا، نتيجة تداعيات الحرب الجارية بين روسيا وأوكرانيا، التي فرضت على الأوربيين التحرك على أكثر من مستوى، بحثا عن مصادر جديدة للتزود بالغاز كبديل عن الغاز الروسي،  مما سيقوي من فرص نجاح المشروع النيجيري المغربي، الذي سيكون ليس فقط متنفسا غازيا لأوربـا، بل مشروعا استراتيجيا لخدمة قضايا الأمن والوحدة والاستقرار والتنمية والسلام بمنطقة غرب إفريقيا، وقبل هذا وذاك، سيكون المشروع بدون منازع، نقطة نهاية رسمية لجمهورية الوهم والســراب، ونكسة ما بعدها نكسة، بالنسبة لمن أسسها واحتضنها ورعاها وسلحها وأغرقها بالأموال ما يزيد عن الأربعة عقود.

وعليه، فإذا كانت مقاربة جلالة الملك لقضية الصحراء المغربية، تقوم على  منظور يتأسس على  ثالوث “السياسي” و”الدبلوماسي” و”التنموي”، فهي تستند في ذات الآن، على “نظارة ” تقوم على “الواقعية” و”الصراحة” و”الحزم” و”المكاشفة”، فيما يتعلق بالدول التي لازالت تتموقع في المنطقة الرمادية أو في خانة “الحياد” أو لازالت وفية لمبدأ “ازدواجية المواقف”، بخصوص قضية الوحدة الترابية للمملكة، وهذه النظارة، باتت اليوم نظارة المغرب على العالم، ومعيارا يقيس صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات، وهي الرؤية التي أشار إليها الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 69 لثورة الملك والشعب، بالقول “إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”، وهذه النظارة  الحازمة، باتت تشكل مصدر  إحراج  بالنسبة  لبعض الشركاء التقليديين  والجدد، الذين لم يستوعبوا بعد، أو  لا يريدون الاستيعاب  أن “مغرب اليوم، ليس كمغرب الأمس”.

بين “المنظور” و”النظارة”، باتت “مغربية الصحراء حقيقة ثابتة لانقاش فيها، بحكم التاريخ والشرعية، وبإرادة قوية لأبنائها، واعتراف دولي واسع” كما أكد ذلك جلالة الملك محمد السادس في خطاب الذكرى 46 للمسيرة الخضراء، وبات المغرب مقتنعا أكثر من أي وقت مضى، أن قضية الصحراء المغربية، لايمكن البتة حسمها، إلا بالرهان على أسلحة التنمية والمصالح المتبادلة والمنافع المشتركة في إطار علاقات “رابح .. رابح”، والانخراط في مشاريع تنموية عملاقة ذات بعد استراتيجي، داعمة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ودافعة نحو ثقافة  التعاون  والتشارك والاندماج، وإذا كان العاهل المغربي، قد خصص  خطاب الذكرى 47 للمسيرة الخضراء كاملا   للتنمية، من خلال  استعراض ما تحقق  في إطار البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية، من  أوراش ومشاريع تنموية  مهيكلة، وعبر توجيه البوصلة نحو “مشروع  أنبوب الغاز نيجيريا المغرب” الذي يعول عليه ، للنهوض بأوضاع  التنمية الاجتماعية والاقتصادية في  الدول الخمسة عشر للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، إضافة إلى  موريتانيا والمغرب، فهـذا معناه، أن قضية الصحراء المغربية قد حسمت أمميا ودبلوماسيا وتاريخيا وواقعيا، ولم يعد أمام المغرب من خيار، سوى تحصين  صحرائه  ومواصلة  مسيرة  البناء والنماء في الجنوب كما في الشمال وفي الشرق كما في الغرب، والمضي قدما في اتجاه  توسيع دائرة الشراكات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، التي من شأنها دعم الوحدة الترابية للمملكة، وخدمة  قضايا  التنمية والوحدة  والأمن والاستقرار في إفريقيا، التي ما أحوجها اليوم، إلى  الوحدة ولم الشمل والتصدي  القوي لدعاة  التفرقة  والشتات والانفصال.

معركة  حسم قضية الصحراء المغربية،  تقتضي  موازاة مع  معارك البناء والنماء  ورهانات التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، أن ينخرط المغرب في معركة لا تقل أهمية، ويتعلق الأمر  بالتحرك  الدبلوماسي والسياسي والقانوني في إفريقيا، بما يضمن  طرد “جمهورية الوهم والسراب” من  الاتحاد الإفريقي، بعدما دخلت إليه  في ظرفية تاريخية  موسومة بالفساد يعلم بها القاصي قبل الداني،  وهذا الاتحاد الإفريقي، مطالب اليوم، بتصحيح هذا الخطأ التاريخي الذي لا يستند على أية  مرجعيات  قانونية ودبلوماسية وسياسية وواقعية، استحضارا لمتغيرات السياق الجيوسياسي الإقليمي والدولي، الذي  يضع إفريقيا والأفارقة، في صلب تحديات متعددة المستويات، تفرض على الأفارقة، الجنوح إلى الوحدة ولم الشمل  ونبذ ممارسات التشرذم والانفصال، وتعزيز آليات التعاون والاندماج الإفريقي، من أجل إفريقيا آمنة ومستقرة  ومزهـرة، ونتوقع حسب تقديرنا، أن ما حدث في “قمة لم الشمل” التي تنكرت لعصابة تندوف، سيتكـرر في ظروف وسياقات مختلفة، على مستوى الاتحاد الإفريقي، الذي  لا يمكن البتة، أن  يضحي بأمن إفريقيا ووحدتها واستقرارها وتنميتها وازدهارها، مقابل استمرار احتضان “عصابة انفصالية” باتت نفسها، خطرا على إفريقيا وأمنها واستقرارها، وفي هذا الإطار، فإذا كان خطاب الذكرى 47 للمسيرة الخضراء، قد أتى حاملا لرسائل متعددة الزوايا لمن يهمه الأمـر،  فهناك رسالة  موجهة  إلى الاتحاد الإفريقي وإلى المنتظم الإفريقي، مررت عبر  استعراض العاهل المغربي  لمشروع  “أنبوب الغاز نيجيريا المغرب”، الذي   من المرتقب  أن ينهض بواقع التنمية الاجتماعية والاقتصادية في منطقة غرب إفريقيا بأكملها، ومن غير اللائق أن  يستمر هذا الاتحاد الإفريقي في قبول عضوية “كيان وهمي”، معرقل للتنمية  ومعاكس  للاندماج الإفريقي، ومهدد لوحدة الأفارقة وأمنهم واستقرارهم…، ونختم بالقول، أن  حبل النهاية بدأ يلتف بعنق عصابة تندوف .. ودخولها إلى مزبلة التاريخ بات وشيكا، أكثر من أي وقت مضى…

ولا يمكن في خاتمة المقال، إلا التعبير عن مشاعر الحسرة والأسف على نظام شقي فاقد لأدنى مستويات التبصر والواقعية، استثمر في تجارة “الوهم” و”السراب” ما يزيد عن الأربعة عقود، بكل ما لهذا السلوك الأرعن، من تكلفة مادية باهظة، كان بالإمكان استثمارها لمد جسور الأخوة والدين والعروبة وحسن الجوار، والإسهام المشترك، في بناء مستقبل واعد ومزدهـر لشعبين شقيقين، مهما فرقتهما السياسة، يقربهما الدين والعروبة والأخوة  والعمومة وحسن الجـوار…، عسى أن يظهر في الجارة الشقيقة، حكماء وعقلاء، تنتهي على أيديهم عقيدة “العداء الخالد” وما يرتبط بها من “حمق” و”جنون” ورعونة” و”قلة حياء”، ومن تعطيل مع سبق الإصرار، لعملية البناء والنماء والعيش المشترك…