فيروس كورونا وتغيير في القيـــم

رأي
فيروس كورونا وتغيير في القيـــم
رابط مختصر

الألباب المغربية/ سليمان الخنوشي

كما هو معلوم أن العالم عاش على وقع الحجر الصحي الذي فرضته جائــحة كورونا، ولاشك أنه قد يؤدي إلى تحولات في سلوكيـــات النـــاس وعلاقتــهم بمؤسسات اجتماعية سياسية واقتصادية، وكذا علاقاتهم فيما بينهم كأفــــــراد وجماعات، ويبقى معه السؤال مطروحا بإلحاح شديد الى أي حد ستصبح هذه التحولات عميقة وهل سَتُحْدِثُ تغييرات بنيوية ودائمة في الأدوار والتصورات والعلاقات والتي يمكنها أن تستأثر باهتمام الباحثين في هذا الشأن.

الوبائي والاقتصادي الجديد أو تجاوزاً لبعضٍ من هذه الأدوار؟ كيف سينـــظر المواطنون والفرقاء إلى هذا الدور المتجدد، وهل هو إيذان بدولة رفاه جديدة ؟ هل سيتغير مفهوم السلطة الذي تتبناه الدولة خصوصاً في ظل تنامي الطلــب الشعبوي على مزيد من المقاربة اليعقوبية، وتواري الطلب على الممارســـة الديمقراطية؟
تواري دور العائلة لصالح مؤسسات أخرى تقوم بالتأطير الاجتماعي والسياسي للمواطنين (مثل الأحزاب والنقابات والجمعيات والجامعة ووسائل الإعـــــــلام الجديدة) وظهور النزعات الفردانية خصوصاً مع تطور وسائـل التواصــــــــل الاجتماعي وتراجع جاذبية مؤسسة الزواج، كلها أدت إلى انكماش دور العائلة في التربية والتأطير والتأثير، وتضاؤل دور الأب في خضم ظهور أدوار جديدة للمرأة والشباب، ونمو أشكال جديدة من الممارسات الاجتماعية غير المبنيــة على مؤسسة الزواج مع الحجر الصحي والعزل الاجتماعي في زمن كورونـــا ورجوع الكل إلى رحاب العائلة ولفترة طويلة، هل نشهد تجديدا لدور العائلـــة؟ مع انكماش الطابع “الباترياركي” للعائلة التقليدية هل يعني هذا إعادة النظـــر في الأدوار وعلاقات السلطة داخل العائلة؟ وما هو تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وانخراط أفراد العائلة داخل مجموعات افتراضية متعددة في عملية التجديد هذه؟ هذه كلها أسئلة تطرح نفسها بإلحاح، ومن شأن البحث الميداني تأكيد أو نفـــي الفرضيات التي تؤطرها. وهذا يعني كذلك إعادة النظر في ثنائية المجال الخـاص والعام، بعض منظري الدراسات الثقافية والمتشبعين بفكر “يورجن هابرمـــــاس” ركزوا على التحولات التي يشهدها المجال العام في ظل العولمة، وانفتاح الحقل السياسي ودخول فاعلين جدد مثل المرأة والشباب والمجموعات الهامشيــــــة.
كما ركز الكثير منهم على أن المجال العام هو في طور التطور، ولم نصل بعــد إلى تلك المجموعات البورجوازية المتخيَلة في التصور “الهابرماسي”، والتـــــي تلتقي لمناقشـــة أمـــــــــور ومصالـــــح والوصـــــول إلــــى توافـــق بشأنــها
وسائل التواصل الاجتماعي عززت التواصل بين المجموعات المفترضــة، رغم أنها تعكس نفس الصراعات التي توجد داخل المجتمع؛ لهذا فهي تتطـــور شيئا فشيئاً إلى فضاء للنقاش (الشعبوي أحياناً والعقلاني أحياناً أخرى) والمرافعة له تأثيره الخاص على الحقل السياسي برمته.
ما يحصل في زمن الحجر الصحي هو استمرار نفس النقاش، ولكن من طرف مجموعات أعضاؤها قابعون في بيوتهم. قبل كورونا كان الأفراد يقتحمـــــون المجال العام ويصورونه، ويتداولون بشأنه اجتماعياً وسياسيا. ما يحصل الآن هو نفس التداول، ولكن مع غربلة المضمون للمحافظة على «حرمة البيوت» أو تكييفه، لكي لا يحصل تداخل أكثر بين الخاص والعام، كما يتم إنتاج مضامين جديدة تقوم بنقد اجتماعي ساخر لأدوار الآباء والأمهات والأولاد في الفضـــاء المنزلي. هل هذا ينذر بتغيرات كبرى ودائمة في تصور المجال الخـــــــاص في علاقته مع العام؟ هذا ما سيجيب عنه أتباع “هابرماس”، خصوصاً رواد الدراسات الثقافية والنظريات ما بعد “الكولونيالية” وما بعد الحداثية
وماذا عن إعادة إنتاج علاقات الهيمنة في ظل انفتاح الرأسمال الرمـــــزي على شرائح متعددة من المجتمع ؟ في الماضي ركز علماء الاجتماع، مستعمـــــلين نظرية عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو، على دور المدرسة والإعــــــلام واللغة والإنتاج الثقافي في إعادة إنتاج قيم معينة ملتصقة بجماعات وطبــقات مهيمنة اقتصاديا واجتماعياً. الهيمنة الرمزية تعطي مشروعية للهيمنة الفعلية بل وتعيد إنتاجها في حُلَلِ جديدة وممارسات تبدو بعيدة وغريبة، كما بينت ذلك الدراسات السوسيولوجية النسائية. وعلاقات الهيمنة المعتمِدة على الرأسمال الرمزي لا تعيد إنتاج علاقات السلطة الاجتماعية فحسب، ولكنها تُحَوِل الثقافة المهيمنة إلى قاعدة مجتمعية عامة يُنتَظَرُ أن تنصهر فيها الأفعال الأخرى وأن تتوق إليها الممارسات الاجتماعية الأخرى
بالفعل قوضت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من علاقــــــة الهيمنـــة هذه بدمقرطة المعلومة، وضمان الولوج إلى الأفعال الثقافية “الراديكاليـــة” (في غرابتها واختلافها عن القواعد العامة). ولكن ما زالت هناك تراتبية في اللغات والأفعال والمواقف السياسية والاجتماعية خصوصاً مع تفاوت نسبة الولـــوج واستعمال التقنيات بين الحواضر والمراكز الهامشية، والقدرة على صناعـــة المضامين وترويجها بين طبقات ومجموعات معينة في زمن الحجر، تساوت سلباً ونسبياً نسبة الولوج إلى الفضاءات التي تؤثث مضامين التواصل الاجتماعي. واستمر الخطاب الشعبوي الناقــــــد للسلطـــة والهيمنة، ولكن في ظل رضى شبه عام عن دور الدولة والفاعلين. هل هـــذا يعني نفض غبار الشعبوية عن النقد اللازم والضروري لعلاقات الهيمنـــــــة الموجودة في المجتمع والحقل السياسي؟ هذا واحد من الأسئلة التي ننتظر أن تجيب عنها السوسيولوجيا، خصوصاً المهتمة بعلاقات الهيمنة في ظل الثورة الرقمية تُسهم الأزمات عادة في إعادة ترتيب المشهد، أيّاً كان نوعُ هذه الأزمة أو طبيعتها ومدى تأثيرها، فبفضلها، قد يصبح تفصيل صغير جدّاً لم يكـــن في السابق ذا أهمية وعناية تامة، يشغل أعلى هرم الأولويات، وضمن لائحــــــة الضرورات الملحّة، بينما غالباً ما تشكّل الأزمات وطريقة إدارتها محطات ترسم حدوداً فاصلة بين مرحلتين: ما قبل وما بعد؛ سواء في حياة الأفراد أو في حياة الجماعات والدول والإعلام ليس بمعزل عن هذا الواقع، بل هـــــو من أكثـــــــر المجالات التي شهدت -ولا تزال- تطوراً متسارعاً بفضل وسائل التكنولوجيــــا والتواصل الجديدة التي فرضت على غرف التحرير والأخبار أنماطاً غير معهودة في مضامين الإنتاج الإعلامي وأشكاله، فضلاً عن طرائق التفاعل مع الجمهور المتلقي ولأنها أزمة صحية وبائية اجتاحت أقطار العالم، لم تمرّ جائحة “كوفيد 19” مروراً عابراً على وسائل الإعلام العالمية وغرف الأخبار، كما هو الحال بالنسبة للمتلقي، فبدت بوادر التغيير وإرهاصات التحول تظهر بارزة، تاركــــة بصمات واضحة على العلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام ووسائط التواصـــل من جهة، وعلى السلوك الإعلامي/التواصلي لهذه الأخيرة من جهـــة ثانيـــــة

حمل فيروس كورونا إلى العالم الكثير من المتغيرات، ولعل أهمَّها يكمــــن في تسريع وتيرة رقمنة مناحي الحياة والخدمات الاجتماعية، فقد أعاد “ثقـــــــةً” حُسِبَتْ إلى زمن قريب “مفقودةً” أو “هشّة” بين وسائل الإعلام التقليديـــــة وفئات واسعة من مستهلكي الأخبار عبر العالم، ولا سيما الشباب الذين هم على مشارف العقد الثالث لاحظنا خلال سنة مضت منذ بداية انتشار الوبــــاء، أن العلاقات الاجتماعية تأثرت فعلاً، ونشير إلى أن هناك عدة أنماط لهذه العلاقات يمكننا اختصارها كالتالي:

  • العلاقات الاجتماعية التي استمرت كما كانــــت سابقاً من دون أي تغيير، مع ظاهرة إنكار الوباء أو مخالفة مفاهيم الوقاية من الأمراض، ولكن ما لبث أن أحس أصحاب هذا التوجه بأن عليهم التراجـــــــع والتنبه إلى خطورة الوضع، لا سيما مع اقتراب المرض من عائلاتهم وموت عدد من معارفهم.
  •  العلاقات الاجتماعية التي انقطعت أو صارت بعيدة نوعاً ما مع تفضيل الانعزال الاجتماعي، واقتصرت على التواصل لأجل الضروريات القصوى، كالتبادل المرتبط بالمنافع من دون أي مشاعر عاطفية أو اجتماعية، وأغلب هذه العلاقات تحولت إلى التواصل الالكتروني، لا سيما في عملية البيع والشراء واستلام السلع وتحويل الأموال حتى بين الأقارب من غير تـــودد أو إظهار المحبة.
  •   العلاقات الاجتماعية التي تحولت كلياً إلى التواصـــــــــــل الالكتروني، فصارت العلاقات جافة، ما أثر في تدني نوعية المنافع المشتركة رغم كثافة التواصل، وهي ما لاحظناه في غالبية تجارب التعليم عن بعد، من خلال شكاوى جميع الأطراف، أي من الأهل والطلاب والمعلمين والإداريين على السواء.
  • العلاقات الاجتماعية المتكيفة، وهي التي حاول أصحابها أن يلتزموا بالوقاية والتباعد الجسدي، مع إيجاد حلول عديدة لإقامة العلاقات الإيجابية عن بعد، من خلال الأنشطة المتعددة الالكترونية والمباشرة على السواء، بهـــــدف تفادي الانعزال الاجتماعي وتفعيل التواصل الإنساني. مضى عام كامل على بدء جائحة كورونا، بينما يتوق الناس إلى اليوم الذي تعود فيه حياتهم إلى شكلها الطبيعي، لا سيما أن الوباء أحدث تغييراً جذرياً في طريقة عيش الناس وتفاعلهم الاجتماعي.

أصاب الفيروس المستجد عشرات الملايين من الأشخاص حول العالم، وفقــــــد ملايين الأشخاص وظائفهم من جراء حالات الإغلاق التي فرضت لكبح انتشـــار كورونا

منظمة الصحة العالمية أوصت بدايةً بالتباعد الاجتماعي، ثم تراجعـــــــــت عن التسمية وسمته التباعد الجسدي، لخطورة معنى التباعد الاجتماعي على مصير البشرية

إن “العلاقات الاجتماعية غايتها تبادل المنافع والاحتياجات والمصالح في أجواء آمنة مستقرة تشوبها الإيجابية، ففي الأسرة تنشأ علاقة اجتماعية ثنائية بيـــــن الزوجين تهدف لتنشئة الأبناء وتبادل المنافع المشتركة كالحب والاحتضــــــــان والحماية والغذاء والنظافة وغيرها من متطلبات الحياة”.

وفي المدرسة أيضاً، تنشأ علاقات اجتماعية دراسية بين المعلمين والتلاميذ، تهدف لتنشئة التلاميذ علمياً واجتماعياً، وتكوين الصداقات وتطوير المواهــب واكتساب المفاهيم. وكذلك الأمر في المؤسسات المهنية والثقافيـــــــة والدينية والسياسية والترفيهية، تقوم العلاقات الاجتماعية الإيجابية لتحقق الغايات النافعة لجميع أطراف العلاقة وتساهم بقوة بالصحة النفسية، بالإضــــافة الـــى تواجـــد

عادات جديدة يمكنها أن تعبر عن تغير في السلوك وأساليب التواصـــل منهــــــا “ظهور أساليب جديدة للمصافحة وإلقاء التحية كبديل عن تلامــــــس الأيــدي”

كذلك “ازدهرت الألعاب الالكترونية وانتشرت بكثافة، وصارت ميداناً للتعـــارف واللقاء الاجتماعي، وظهرت المسابقات العالمية لها على حساب الألعـــــــــــــاب الميدانيــــــــــة”إلى أنه “صار الداخل إلى قاعات الاجتماعات يجلس بعيداً عن الجالسين على عكس السابق، وهذا يقلل من التواصل الإنساني. فيما استبدلـــت اللقاءات والمؤتمرات والمحاضرات والندوات بالاجتماعات الالكترونية”وعن تغير طرق التخاطب، صار من وراء الأبواب هو الأساس بدل الترحيب والبشاشة لعمال التوصيل وسائر الضيوف والجيران، إضافة إلى انخفاض مستوى التواصل السمعي لما لملامح الوجه وحركات الشفاه من أهمية في إيصال المعلومة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.