صعاليك “البوليجزاريو”

عزيز لعويسي
تناقلت العديد من وسائل الإعلام قبل أيام، ما صدر عن “وزير داخلية” صعاليك “البوليجزاريو”(نسبة إلى الجزائر)، من تصريحات على هامش زيارته الرسمية إلى موريتانيا، روج من خلالها خبر حصول جبهة الوهم والسراب على طائرات إيرانية مسيرة نوع “درون”، ستوظف حسب ادعائه، لتهديد أمن المغرب وسلامة أراضيه، وهذه “الادعاءات”، قد يعتبرها البعض مجرد “دعاية” إعلامية، تحكمت فيها بواعث التشويش على ما حققه المغرب من حصاد دبلوماسي لافت للنظر منذ أزمة الكركرات، وقد يرى فيها البعض الآخر، ما يشبه رقصة “الديك المذبوح” الذي يعيش آخر أنفاس حياته، بعد سلسلة من النكسات والضربات والخيبات، وقد ينظر إليها البعض الثالث، بمنظور “الجدية” و”الواقعية”، استحضارا لخبث وقدارة النظام الكابراني الذي سعى ويسعى منذ عقود من الزمن ما استطاع إلى ذلك سبيلا، إلى ضرب أمن ووحدة واستقرار المغرب، بمختلف الوسائل الوقحة والأدوات القدرة، وأخذا بعين الاعتبار الترابطات الخفية والمعلنة، بين “النظام الكابراني” و”النظام الملالي”، الذي أينما حل، إلا وحلت معه الفوضى والاضطراب والخراب، ويكفي في هذا الإطار، استحضار ما جرى ويجري في دول عربية، عاثت فيها إيران “عبثا” و”فوضى” و”اضطرابا”، من قبيل العراق ولبنان وسوريا واليمن.
وسواء كانت تهديدات الوزير “الصعلوكي” جادة، تستحق التعامل معها بما يليق من “تبنديـر”، أو مجرد خرجة إعلامية “صعلوكية” فاقدة للبوصلة تماما، بعدما دخلت قضية الوحدة الترابية للمملكة في آخر منعرج لها، فما هو ثابت وباد للعيان، أن هذه التهديدات “العنترية”، تؤكد بما لايدع مجالا للشك، العلاقات المتينة والترابطات الوثيقة القائمة بين ثالوث “الانفصال” و”الجريمة” و”الإرهاب”، وهذا الثالوث الذي بات خطرا مهددا لأمن إفريقيا ووحدتها واستقرارها وتنميتها، سبق للمغرب أن نبه إليه المنتظم الدولي في مؤتمر التحالف الدولي ضد تنظيم داعش الذي انعقد غضون شهر ماي الماضي بمدينة مراكش، وبعده في القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي المنعقدة بمالابو بغينيا الاستوائية، حول موضوع “الإرهاب والتغيرات غير الدستورية للحكومات”، والمغرب لابد أن يستغل حمق وغباء “البوليجزاريو” والنظام العدو الذي يحتضنها ويدعمها بالمال والسلاح، ليفرض سياسة الأمر الواقع، على مستوى ضبط وتحصين حدوده الشرقية والجنوبية، والاستمرار في التعامل الحازم مع أي تسرب أو تسلل يطال المنطقة العازلة من قبل صعاليك تندوف، وفي ذات الآن، المضي قدما في اتجاه طرد العصابة من الاتحاد الإفريقي وإعلانها “جماعة مسلحة إرهابية”، خطرها على أمن واستقرار إفريقيا، يوازي خطر باقي الجماعات الإرهابية النشيطة في منطقة الساحل والصحراء، وفي هذا الإطار فالمنتظم الدولي عموما والإفريقي خصوصا، لابد أن يتحمل مسؤوليته كاملة، في قطع ورم جبهة “البوليجزاريو”، وإدانة النظام الرسمي الراعي لها بدون حرج أو حياء.
بالرجوع إلى تهديدات عنتر “البوليجزاريو”، فقد أتت رياحها من موريتانيا التي طالما لعبت على وتر “الحياد الإيجابي” في تعاملها مع النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، مع الميلان الخفي والمعلن نحو نظام السوء، وهذا معناه أن الجارة الجنوبية خرجت عن حيادها المزعوم الذي طالما تذرعت به أمام الرباط، ويبدو أنها اختارت بطريقة “غبية” فاقدة لأدنى شروط التبصر، التموقع في صفوف أعداء وخصوم الوحدة الترابية للمملكة ومصالحها العليا والاستراتيجية، ضاربة عرض الحائط رسائل الخطاب الملكي الأخير بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، الذي أكد فيه عاهل البلاد أن “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب للعالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”، ولم تكترث بما آلت إليه العلاقات بين الرباط وتونس من تدهور غير مسبوق، بعد استقبال قيس تونس لزعيم “البوليجزاريو” استقبال القادة والزعماء، بمناسبة قمة “تيكاد 8″، ولم تأخذ الدروس الممكنة من دول وازنة بحجم ألمانيا وإسبانيا، التين اختارتا طريق الواقعية والمصداقية والشفافية والاحترام والمصالح المتبادلة، في تعاملهما مع قضية جعل منها المغرب “قضيته الأولى”.
“النظام الكابراني” الفاشل، وبعد أن نجح في تسميم العلاقات بين الرباط وتونس، باستعمال كل الوسائل الوقحة والأدوات القدرة، يراهن على الجارة الجنوبية بذات الوسائل والأدوات، للإبقـاء على الأقل، على مواقفها التقليدية بخصوص قضية الصحراء المغربية، ونسف أية محاولة لها للحدو حدو دول إفريقية كثيرة، مالت بكل وضوح ومسؤولية والتزام، نحو مغربية الصحراء ونجاعة ومصداقية وواقعية مقترح الحكم الذاتي المقترح من طرف المغرب، ولم يكتف هذا النظام المفلس باللعب القدر في الملعب الموريتاني، خدمة لعقيدة العداء الخالد للمغرب ووحدته الترابية، بل وتحول بكل قدارة وتهور، إلى “جسر إيران” الآمن نحو المنطقة المغاربية ومنطقة الساحل والصحراء، بكل ما يمكن أن يترتب عن ذلك، من تداعيات مباشرة على أمن إفريقيا ووحدتها واستقرارها، وفي هذا الإطار، فالدول العربية لم يعد ممكنا أن تبقى في موقع “الكومبارس” حيال ما يقوم به هذا النظام العدائي من عبث بالأمن القومي العربي، وهي ملزمة أكثر من أي وقت مضى، باتخاذ ما هو متاح من الإجراءات وممكن من القرارات، لكبح جماحه، ليس فقط باحتضانه ودعمه لجماعة “غير حكومية مسلحة” مهددة لأمن ووحدة دولة عربية عضو في الجامعة العربية بحجم ووزن المغرب، بل وبفتح “ممرات آمنة” أمام إيران، لترفع من منسوب عبثها في البلاد العربية، بكل ما لذلك من تداعيات آنية ومستقبلية على الأمن القومي العربي.
أما موريتانيا التي لازالت تفتح الأحضان لأعداء وخصوم الوطن، بكل ما لذلك من استفزاز وقح للمغرب، فهي تؤكد بالواضح والملموس، معاكستها للمصالح العليا للمملكة، وتضرب عرض الحائط ما يجمع الشعبين الشقيقين المغربي والموريتاني من علاقات أخوة وصداقة وحسن جوار، وتعبث بما يتطلع إليه البلدان من تعاون وشراكة استراتيجية متعددة المستويات، بالارتمـاء الأعمى في الحضن الكابراني الداعم لعصابة “البوليجزاريو”، وعليها أن تدرك أن الرباط، لم تعد البتة تقبل بالحياد المزعوم ولم تعد ترضيها خطة اللعب على الحبلين، وكنا نأمل أن تنخرط نواكشوط في دبلوماسية القنصليات على غرار عدد من الأشقاء والأصدقاء العرب والأفارقة، وتحدو حدو إسبانيا بالنظر إلى ماضيها الاستعماري في المنطقة، لكنها اختارت “وضعية أخرى”، جعلتها وتجعلها تبحر ضد التيار، وتغرد خارج سرب الحقيقة والواقعية والمسؤولية والمصداقية، دون أن تدرك أنها تعرج نحو طريق العابثين والمتهورين والفاشلين واليائسين، أما المغرب الذي وقف الند للند أمام دول وازنة من قبيل ألمانيا وإسبانيا، فهو على أتم الاستعداد للوقوف في وجه أية دولة – كبيرة أو صغيرة – رصدتها “نظارة الصحراء” وهي في حالة تسلل، ومهما قيل أو ما يمكن أن يقال، فالمغرب في صحرائه والصحراء في مغربها، ولا عزاء للحاقدين والمفلسين والعابثين، أما “البوليجزاريو”، فيبدو أن “حبل المشنقة” بات قريبا منها، أكثر من أي وقت مضى، و “إن غدا لناظره قريب”…

بقيت الإشارة في خاتمة المقال، أن العنوان أعلاه ليس من باب الترف اللغوي، ولا من نافذة صناعة الكلمات ولا حتى من مدخل البحث عن العناوين المثيرة للانتباه، بل هو “زواج لغوي”، ارتأينا من خلاله، التأكيد أن عصابة تندوف، ما هي إلا “فصيلة كابرانية” حاملة لعلامة “صنع بالجزائر”، لا هوية ولا شرعية ولا عقيدة لها، إلا خدمة المشروع العدائي والتخريبي، لمن يتقاسمون حب العداء للمغرب ووحدته الترابية ومصالحه الاستراتيجية، في دولة عربية متهورة، تصر مع “سبق الإصرار والترصد” على تشتيت الصف العربي ونسف كل محاولة مشروعة لجمع الشمل، وكبح جماح أية خطوة في اتجاه بلوغ الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، في عالم متغير، لايؤمن إلا بلغة الوحدة والتعاون والاندماج ولغة المصالح المشتركة، ولم يعد اليوم ممكنا، أن نوجه البوصلة كاملة نحو “المصنوع” أو “البوليجزاريو”، ونترك “الصانع الجزائري” من وراء حجاب، يحتضن ويدعم ويسلح ويحرك ويستفز ويهدد دولة عربية جارة، على بعد أمثار قليلة من “قمة عربية”، لن تكون إلا “قمامة عربية” حسب توصيف البعض، الواقع يقتضي إلغاؤها أو مقاطعتها، حرصا على الصف العربي، لأن من يرعى الجريمة والانفصال ويسعى إلى التفرقة والشتات والخراب، تختفي في قاموسه مصطلحات الوحدة واللحمة ولم الشمل، والتعاون والأخوة والمحبة والسلام والعيش المشترك…