ريان.. الطفل المغربي الذي زحزح “قارة الإنسانية”

الألباب المغربية/ عزيز لعويسي//

بسرعة البرق انتقلت العيون والعدسات والأقلام من الخوض في تفاصيل كبوة الأسود في المونديال الإفريقي، إلى دوار إيغران بجماعة تمروت بإقليم شفشاون، حيث سقط الطفل ريان ابن الخمس سنوات بداخل بئر “صوندا” بعمق تجاوز الثلاثين مثرا، وبذات السرعة، تحولت قضية ريان المحاصر داخل الثقب بين الحياة والموت، إلى قضية رأي عام وطني تجاوز صداها حدود الوطن، حركت أوتار “تامغاربيت” بكل تفاصيلها وجزئياتها، من خلال ما أحاط بعمليات الإنقاذ، من تعبئة جماعية منقطعة النظير لمختلف السلطات الترابية والأمنية والقضائية والصحية، من إدارة ترابية ونيابة عامة ووقاية مدنية ودرك ملكي وقوات مساعدة وأعوان سلطة وأطقم صحية، فضلا عن بعض المهندسين الطبوغرافيين والمتخصصين في الاستغوار وسائقي الجرافات وعناصر الإنعاش الوطني ومتطوعات ومتطوعي الهلال الأحمر المغربي ومختلف وسائل الإعـلام، ومتطوعين آخرين..

وعلى امتداد الخمسة أيام، ظلت أشغال الحفر من قبل فرق الإنقاذ جارية على قدم وساق في سباق مع الزمن لإنقاذ الطفل ريان، على الرغم من العوائق الطبوغرافية المرتبطة بشكل خاص بهشاشة التربة وهواجس انهيارات كتل الأتربة، وظلت معها مشاعر وقلوب المغاربة والعالم، معلقة وسط زحمة من الدعوات الصادقة في أن يحفظ الله عز وجل الطفل ريان ويشمله بعنايته الواسعة، حتى يعـود حيا يرزق إلى أسرته الصغيرة وأهله وذويه، وإلى فرق الإنقاذ التي اشتغلت طيلة خمسة أيام آناء الليل وأطراف النهار لإنقاذه من موت وشيك، وإلى الشعب المغربي بعدما بات ريان، قضية رأي عام وطني ودولي.

وفي هذا الإطار، كنا نتمنى أن يكون هذا المقال احتفاء بخبر إخراج الصغير ريان من الثقب، على قيد الحياة، بعد أن عشنا كمغاربة وعاش معنا العالم، ساعات طوال بأيامها ولياليها، من التوجس والترقب والقلق والانتظار، أمام شاشات القنوات التلفزية والمواقع الإخبارية الإلكترونية، مواكبين بحرقة ووجع وألم، مجريات عمليات الحفر بعسرها ومشاقها، بآهاتها وآمالها، وكلنا أمل في أن يصل المنقذون إلى ريان المحاصر بين مطرقة الوحدة المرعبة وسندان الظلام الكاسح بعيدا عن أحضان والديه، وأن تزف بشرى بقائه على قيد الحياة للشعب المغربي قاطبة، ولكل من تحركت أوثار إنسانيته عبر العالم وتضامن معنا في هذه المحنة الإنسانية غير المسبوقة في المغرب.

وبقدر ما كنا نتابع حجم التضحيات الجسام التي تحملتها فرق الإنقاذ والسلطات الترابية والأمنية في تدبير طقوس المأساة، ونثمن ما بذل من مجهودات شاقة آناء الليل وأطراف النهار في سباق مع الزمن، وفي نوع من التحدي للعوائق الطبوغرافية والجيولوجية، من أجل إنقاذ الصغير ريان، بقدر ما كنا نتابع كغيرنا من المغاربة، تطورات الحفر في إطار من المسؤولية وفي أجواء من التوتر والقلق بعدما بات هذا الصغير ابن الشعب، متمسكين طيلة خمس ليال بكل ما أوتينا من خيوط الأمل، في أن تتوقف عمليات الحفر بدون حوادث أو فواجع بشرية عرضية، ويتم زف بشرى إخراج ريان حيا يرزق لأسرته المكلومة وإلى الشعب المغربي قاطبة، وإلى الملايين من المتضامنين والمتعاطفين عبر العالم، وفي ظل هذه الوضعية الصعبة، كنا نمني النفس أن تنتهي المأساة بخبر سار يذيب جليد المشاق والأوجاع والقلق والعناء، كنا نأمل أن تصل فرق الإنقاذ إلى الصغير وتخرجه على قيد الحياة، بعد أن وصل صداه كل أرجاء المعمور بشكل عصي على الفهم والإدراك، كنا نتوق أن يحتفي به العالم بعدما وحد القلوب وزحزح قارة الإنسانية، لكن إرادة الخالق شاءت أن يخرج ريان من محنته التي دامت خمس ليال بألمها ووجعها وأنينها ووحدتها وظلامها وبردها وقساوتها وجوعها وعطشها، أن يخرج إلينا جثـة هامدة، خلفت وراءها مشاعر لا حدود لها من الحسرة والخيبة والحزن في نفوس المغاربة وكل المتعاطفين والمتضامنين عبر العالم، وخاصة في نفوس والديه وفرق الإنقاذ التي أبلت البلاء الحسن لإخراج الصغير حيا يرزق، لكن لله ما أعطى ولله ما أخذ و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.

لكن .. من يكون هذا الطفل الصغير الذي أماط اللثام عن “تامغربيت” وكشف عنوة عن المعدن الثمين للمغاربة الشرفاء والأحرار، الذين لا يتقاعسون ولا يترددون لما يتعلق الأمر بالوطن وقضاياه المصيرية ؟ من يكون هذا الطفل المغربي الشفشاوني الذي وحد قلوب المغاربة قاطبة وحرك أوثار الإنسانية التي تجمع شعوب العالم ؟ من يكون هذا الطفل البريء الذي أثار زوبعة غير مسبوقة في مشاعرنا وأحاسيسنا، وانتزع مساحات عريضة من الدعوات والرسائل التضامنية من دول وسفارات ومؤسسات دينية من قبيل الأزهر الشريف وكنائس ومنظمات دولية ونجوم ومشاهير عبر العالم ؟ من يكون هذا الصبي الذي حرك كل العيون والعدسات والأقلام في المغرب والعالم العربي الإسلامي وأوربا وأمريكا وكل العالم ؟

من يكون هذا الطفل القروي الذي انتزع الإجماع الوطني والعالمي على مستوى المشاعر الإنسانية النبيلة التي لا تعترف بدين ولا لغة ولا لون ولا جنس ولا حدود، إلا الصفاء والنقاء والطهر والنبل والرقي ؟ من يكون هذا الطفل المغربي الذي صمد كالجندي المرابط بداخل ثقب طيلة أيام وسط غابة من الظلام ؟ أي طفل هذا الذي تحركت لأجله السلطات وفرق الإنقاذ والمتعاطفين والمتضامنين ؟ أي طفل هذا الذي تمت إزاحة جبل والتخلص من الأطنان من الأتربة، من أجل تيسير سبل الوصول إليه وإنقاذه ؟ أي طفل هذا الذي كسب ود وتعاطف الملايين عبر العالم، بدون “بوز” ولا “إثارة” ولا “تفاهة” ولا “سخافة” ؟

تساؤلات من ضمن أخرى، تطاردنا كالشبح المخيف، لا نجد لها جوابا ولا وصفا ولا تقديرا، وكل ما نستطيع البوح به، أن رحيل الصغير ريان عن عالمنا أتى سريعا وخاطفا، وانتهت حياته على وقع المحنة والمأساة التي تجاوز صداها حدود الوطن، لحكمة لا يعرفها إلا الخالق جل علاه، وكل ما نجازف في الإفصاح عنه، أن محنته التي اهتز لها العالم، وحدت القلوب التي تآكلت بسبب الأحقاد والكراهية، وجعلتنا ننتبه عنوة، إلى الإنسانية التي تجمعنا، القادرة وحدها على بناء عالم  مفعم بالنبل والرقي والسعادة والحياة، ونستشعر بما لا يدع مجالا للشك، أننا ضعفاء بل وضعفاء جدا ، بكل ما أوتينا من قوة وتكنولوجيا وتقدم ورخاء وازدهار، بشكل يفرض علينا العودة الطوعية إلى “إنسانيتنا” التي تفرض علينا تصحيح المسار وتقويم ما نحن فيه من اعوجاج، والجنوح الذي لا محيد عنه، نحو ضفاف الأخوة والمحبة والتضامن والتعايش والسلام والعيش المشترك، إيمانا منا أننا مجرد عابري سبيل في هذه الحياة الدنيا، وحياتنا وبقاؤنا ورحيلنا، بيد الله رب العالمين الذي يقول للشيء “كن فيكون”.

إذا أردنا أن نركب على بساط الفلسفة، ونعرج على عوالم الطبيعة وما فوق الطبيعة، ونخوض في تفاصيل الممكن واللاممكن ونسافر بين محطات التفكر والتأمل، نرى أن قضية ريان، لن تخرج عن نطاق حادث عرضي لطفل صغير سقط ذات يوم في بئـر، على غرار الكثير من الحوادث المماثلة التي وقعت في أماكن متفرقة من العالم، وهذا الحادث العادي المحلي، تحول بقدرة قادر إلى “حادث استثنائي” بكل المقاييس، بعدما انتقل من بعده المحلي الجهوي إلى قضية رأي عام وطني اقتضت تعبئة مجتمعية غير مسبوقة، بل وإلى قضية عابرة لحدود الشعوب والدول والقارات، وحدت القلوب وزحزحت “قارة الإنسانية” التي تجمعنا أو التي يفترض أن تجمعنا بكل ما أوتينا من اختلافات، ويكفي قولا أن بعض المواليد الجدد حملوا اسم “ريان”، وأغنيات عرضت وأشعار نظمت من أجل ريان، ومساجد وكنائس صلت من أجل ريان، وإعلاميون ذرفوا الدموع على المباشر تضامنا وتعاطفا مع ريان، ومجموعة من القنوات التلفزية، خصصت ساعات من البث المباشر تفاعلا مع قضية ريان من بداية المأساة إلى أن أخرج الصغير من البئر جثـة هامدة، وجبل تم هدمه بتمامه وكماله من أجل حياة ريـان، ومتطوعون أتوا إلى موقع الحادث خاطروا بحياتهم لإنقاذ ريان، وبعضهم قدم الدعم إلى فرق الإنقاذ وساهم في عمليات الحفر بدون كلل أو ملل من أجل ريـان، وفي طليعتهم “عمي علي الصحراوي” الذي شارك بروح مواطنة عالية، في عمليات الحفر الأفقي في مواجهة مباشرة مع خطر الموت من أجل حياة ريان، و “وسم” ظل حاضرا في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي منذ بداية المأساة من أجل إنقاذ ريان، ونجوم ومشاهير في كرة القدم العالمية، عبروا عن تضامنهم مع المغرب وطفله ريان، وملك متضامن ظل “يتابع تطورات هذا الحادث المأساوي، وأصدر تعليماته السامية لكل السطات المعنية، قصد اتخاذ الإجراءات اللازمة، وبذل أقصى الجهود لإنقاذ حياة الفقيد ريان”، بل واتصل هاتفيا بوالدي الطفل وقدم أحر العزاء وأصدق المواساة” كما ورد في بلاغ للديوان الملكي.

مشاهد وصور من ضمن أخرى، تجعلنا عاجزين كل العجز عن تفسير أو محاولة تفسير ما حدث لهذا الطفل “الاستثنائي” الذي قضى خمس ليال في جوف البئر ورحل عن عالمنا بعد محنة لا يعلمها إلا الله، عن عمر لا يتجاوز الخمس سنوات، بل وصادف رحيله يوم الخامس من شهر فبراير 2022، وإذا كان ما حدث لريان، قد يتجاوز حدود التفكير والفهم ويتخطى عتبات الاستيعاب والإدراك، فما تأكد من خلال طقوس هذه المأساة الإنسانية، أن مشيئة الخالق جل علاه، شاءت أن يرحل ريان إلى جنات الخلد بهذه الطريقة وبذات التعبئة المجتمعية وبذات القوة والصـدى الدولي اللافت للنظر، لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، وإذا تركنا عالم التفلسف جانبا، ونزلنا إلى مستوى الواقع، فقضية فقيدنا ريان رحمه الله، كانت كافية مرة أخرى لتكشف عن سوءتنا وتزيل الستار عن واقع الحال، وتوضيحا للرؤية، ندلي بالملاحظات التالية :

– الصور والفيديوهات التي تناقلتها العديد من وسائل الإعلام الوطنية والدولية من مكان الحادث، وإن كان الهدف منها رصد مجريات عمليات الحفر والإنقاذ الرامية إلى الوصول إلى الطفل ريان، فإنها شكلت مرآة عاكسة لواقع حال ساكنة دوار إمغران بإقليم شفشاون – مكان الحادث -، ومن خلاله لما يعيشه العالم القروي من مظاهر الفقر والبؤس والهشاشة على مستوى العزلة وقلة إن لم نقل انعدام البنيات التحتية والتجهيزات والمرافق الضرورية، وعلى رأسها المدرسة والصحة والكهربة القروية والماء الشروب والطرق التي تعد شرايين الاقتصاد القروي.

– الثقب المائي الذي وقع فيه الطفل ريان، يعكس معاناة ساكنة المنطقة خصوصا والساكنة القروية عموما مع معضلة الماء الشروب، وتزداد وضعيتهم تأزما وتعقيدا في ظل سيادة حالة الجفاف وقلة التساقطات، وهي وضعية مائية صعبة، تحول معها المغرب من “حالة الخصاص المائي  إلى “حالة الندرة”، وهذا الواقع المقلق جدا، يفرض على الساكنة القروية التحرك على أكثر من مستوى، بحثا عن الحلول الممكنة وفق الإمكانيات الذاتية المتاحة بحثا عن التزود بالماء سواء للشرب أو لأغراض زراعية، ليكون بذلك، حفر آبار “الصوندا” خيارا لا محيد عنه، بكل ما لذلك من تكلفة ومخاطر وتهديدات، في ظل غياب الحلول التنموية الناجعة.

– الطفل ريان ابن الخمس سنوات، كان يفترض أن يكون وقت الحادث المأساوي، بين أحضان المدرسة أو الروض في إطار الحق في التعلم، وبما أن حالة الهشاشة هي الحالة السائدة في بيئته الطبيعية والاجتماعية، وبدل أن يجد مدرسة أو روضا يأويه ويحميه من كل المخاطر المحتملة، أو على الأقل ملعبا صغيرا يدحرج فيه الكرة ببراءة،  قادته قدماه بدون قصد أو وعي، نحو ثقب مائي حفره والده ذات يوم بحثا عن نقطة ماء تسقي العباد والبلاد والبهيمة، وكأنه بهذه السقطة العرضية، التي ارتقت إلى مستوى المأساة، يريد أن يصرخ بأعلى صوته في وجه اللاعدالة اجتماعية ومجالية التي تعشش في جنبات بيت أسرته ودواره وجماعته وفي عموم المجال القروي، أن يحتج على السلطات والسياسات العمومية، على حقه كطفل في التمدرس والصحة والسكن والماء والكهرباء والأنترنيت والطرق وملاعب الرياضة والحياة الكريمة، في ظل محدودية إن لم نقل انعدام سياسات تنموية واضحة تستهدف الرفع من إيقاعات التنمية القروية.

– الثقب العميق الذي وقع فيه ريان – منذ الثلاثاء الماضي -، يسائل الكثير من الثقب المائية والآبار المهجورة على امتداد جماعات ودواوير العالم القروي عبر التراب الوطني، وهي بذلك تشكل قنابل موقوتة، بل وشبحا مخيفا يتهدد حياة الساكنة القروية وخاصة الأطفال الصغار كما حدث مع صغيرنا ريان رحمه الله، وفي ظل هذا الواقع المأسوف عليه، نتساءل من باب المواطنة، هل تخضع عمليات حفر هذه الثقب والآبار إلى مساطر قانونية وتدابير وقائية ؟ أم أن كل مواطن قروي يغني على ليلاه/هواه ؟ من هي الجهة أو الجهات التي تتحمل مسؤولية الإبقاء على هذه الثقب والآبار المهجورة كما هي، بشكل يجعلها تهدد حياة الساكنة باستمرار؟ لماذا لم تتحرك الجهة أو الجهات المعنية من أجل ردم هذه الثقب والآبار المهجورة، من باب الوقاية والاحتراز؟ ألم يكن من الضروري ردم هكذا ثقب وآبار من باب الوقاية والاحتراز حماية لحياة الساكنة ؟ أم كان من اللازم أن نمر من مأساة طفل صغير، حتى ننتبه إلى هذه القنابل الموقوتة التي تهدد حياة السكان وخاصة فئة الأطفال ؟ أي خطر أو تهديد لهذه الثقب والآبار العشوائية على الفرشات المائية ؟ وما الجدوى من المخطط الوطني للماء والبرنامج الوطني للتزود بالماء الشروب ومياه السقي، ما لم يتم تزويد الساكنة القروية بالماء الشروب ؟.

– التغطية الإعلامية  لمجريات عمليات الحفر والإنقاذ، اعترتها بعض الانزلاقات المهنية من جانب جملة من المواقع الإلكترونية التي زاغت عن المهنة وأخلاقياتها، بعدما تم تسجيل عدة مخالفات غير مهنية، فرضت على المجلس الوطني للصحافة التحرك من أجل التنبيه إليها والتنديد بها، عبر نشر بلاغ في الموضوع، وما حدث من مخالفات، يقتضي الرهان مجددا على التكوين المستمر للصحفيين، من أجل ممارسة إعلامية مهنية وأخلاقية تلتزم بضوابط المهنة وأخلاقياتها.

– بعض الصفحات وقنوات اليوتيوب، قدم أصحابها إلى مكان الحادث كالحجيج، ليس من أجل التضامن ولا التعاطف، بل من أجل “الاسترزاق” على حساب أوجاع ومآسي الآخرين، بحثا عن “لايفات” تشفي غليل ما يبحثون عنه من إثارة ترفع من نسب المتابعة والمشاهدة، سعيا وراء تحقيق أرباح مادية بأساليب وضيعة، والبعض وبكل وقاحة، سارع وهرول إلى خلق صفحات على الفيسبوك باسم والد ريان، مطالبا من خلالها بتقديم الدعم والمساعدة للأسرة المكلومة، وممارسات “حيوانية” من هذا القبيل، لابد من التصدي لها بحزم وصرامة وبما يلزم من الزجر.

– لا يمكن إلا أن ننوه بالعمل الجبار الذي قدمته فرق الإنقاذ، ونثمن الحضور القوي لمختلف السلطات الجهوية والإقليمية من إدارة ترابية وأجهزة أمنية وقضائية وأطقم صحية ومهندسين وخبراء ومتطوعين، ونشيد بما تم تسخيره من موارد بشرية ووسائل لوجستية وتقنية، لكن في ذات الآن، نسجل كما سجل الكثير من المتتبعين، غياب الحكومة الاجتماعية عن مسرح الأحداث المتسارعة، وكان يفترض أن يحضر وفد وزاري إلى عين المكان للتعبير عن مشاعر المواساة لأسرة ريان وتقديم الدعم المعنوي لفرق الإنقاذ وللقوات الأمنية المرابطة، خاصة بعد أن باتت القضية قضية رأي عام وطني تجاوز صداها حدود الوطن، لكن وكالعادة حضرت عناية الملك محمد السادس الذي ظل يتابع تطورات هذا الحادث، وأصدر تعليماته إلى السلطات المعنية، قصد اتخاذ الإجراءات اللازمة، وبذل ما يلزم من الجهـود، لإنقاذ حياة الراحل ريـان.

– مأساة ريان رحمه الله، تفرض العناية بجهاز الوقاية المدنية، ودعم وتحفيز موارده البشرية، وتمكينه  بما يلزم من العتاد اللوجستي والتجهيزات الحديثة ذات الصلة بعمليات الإنقاذ، بما يضمن الرفع من القدرات الذاتية، حتى يكون هذا الجهاز، في أتم الجاهزية والاستعداد لمواجهة مختلف الأزمات والحوادث الفجائية في إطار من الحرفية والنجاعة والفاعلية.

– محنة الصغير ريان، وجهت البوصلة نحو أبطال ونجوم المغرب الحقيقيين، وفي طليعتهم عناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي والقوات المساعدة، والمهندسين والخبراء والتقنيين وسائقي الجرافات والمتطوعين، الذين أبلوا البلاء الحسن ونجحوا في الوصول إلى الطفل المحاصر رغم العوائق الطبوغرافية والجيولوجية، ولا يمكن إلا الانحناء شكرا واحتراما وتقديرا لكل من شارك في هذه المأساة الإنسانية الخالدة، وعبر هذا المقال، نطالب الجهات المختصة، باستعجال تخصيص علاوات أو تعويضات “بريمات” لكل هؤلاء النجوم والأبطال، من باب المكافئة والاعتراف بما صنعوه طيلة خمسة أيام، من إنجاز مغربي خالص، ويكفي قولا، أنهم هدموا جبلا في وقت قياسي من أجل إنقاذ ريان، ومن الخجل، ألا يتم الاعتراف بجميل عملهم وببلائهم الحسن، وهي مناسبة لنؤكد أن الشدائد والمحن، يحضر فيها الأبطال والنجوم الحقيقيين، لا العابثون والتافهون والمنحطون، ونظن، يكفي رعاية لثقافة العبث والتفاهة والانحطاط، وتحويل أموال الشعب التي تهدر يمينا وشمالا، لخدمة الساكنة القروية والرفع من مستوى تنميتها.

– المواطنون الذي تجمهروا في مكان الحادث، ومنهم أصحاب صفحات فيسبوكية وقنوات على اليوتيوب وصحفيين، شكلوا مصدر إزعاج للسلطات الأمنية المعنية بحفظ النظام، ومصدر خوف وقلق لفرق الإنقاذ مخافة حدوث انهيارات ترابية من شأنها أن تتسبب في كارثة إنسانية، وما كان يصدر عن الجمهور من صراخات وهتافات ومن دعوات، ومن خرق واضح للتدابير الوقائية والاحترازية، هي ممارسات فاقدة لحس المسؤولية والانضباط والالتزام، لأن الوضعية كانت تقتضي الابتعاد عن مكان الحديث والالتزام بأقصى درجات الحذر والصمت والانضباط، لترك فرق الإنقاذ تشتغل بهدوء بناء على ما رسمته من خطط تدخلية، ونرى أن الصرامة الأمنية لم تكن حاضرة بالشكل المطلوب، مما عبد الطرق أمام بعض العابثين والطفيليين للقدوم إلى المنطقة.

ونحن ندلي بهذه المعطيات والملاحظات، ليس القصد هو إشهار سلاح الإدانة أو توزيع صكوك الاتهام هنا وهناك، لأننا الآن أمام أسرة مكلومة، فقدت ابنا صغيرا حرك مشاعر الإنسانية، وهي تستحق إحاطتها بما يلزم من الدعم المادي والاجتماعي والنفسي، بشكل قد يخفف عنها جانبا من المأساة، وفي هذا الإطار ووفاء لروح الفقيد ريان، نقترح أن تتم الالتفاتة إلى دوار ايغران بجماعة تمروت حيث عاش ريان، عبر استعجال بناء مدرسة تحمل اسمه ومركز صحي وبناء ملعب قرب وتعبيد طريق لفك العزلة عن الدوار والجماعة، والتحرك في اتجاه هدم كل الثقب والآبار المهجورة بالمنطقة ككل وعلى الصعيد الوطني، من باب الوقاية والاحتراز حماية للطفولة، حتى لا تتكرر المأساة مرة أخـرى، أما على المستوى العام، فما حدث من مأساة إنسانية، يقتضي التحرك على أكثر من مستوى لتحريك آليات التنمية القروية، لانتشال شرائح عريضة من الساكنة القروية، مما تعيشه من هشاشة وبؤس وفقر وتهميش ومعاناة مستدامة، وإشهار سلاح “ربط المسؤولية بالمحاسبة” في وجه بعض  الفاسدين والعابثين بالمال العام.

نختم بالقول، وداعا ريان.. وداعا أيها الطفل المغربي الشفشاوني الذي شد انتباه العالم لحكمة لا يعلمها إلا الخالق جل علاه .. وداعا أيها الصغير الذي نجح  في “زحزحة الإنسانية” التي نخرها الحقد والعداء والنزاع والدمار، وأحدث ثورة ناعمة في مشاعرنا، جعلتنا نستشعر مشيئة الله وقوة إرادته، وننتبه كم نحن ضعفاء وضعفاء جدا رغم ما أوتينا من قوة وتقدم ورخاء وازدهار .. وداعا أيها الصغير الذي كشف عن سوءة تواضعنا القيمي والأخلاقي والإنساني .. وداعا أيها الصغير الذي فضح برحيله، ما يعيشه دواره وجماعته من “لاعدالة” اجتماعية ومجالية، ووجه البوصلة كاملة نحو ما يعيشه العالم القروي والطفل القروي من مشاهد الفقر والبؤس والهشاشة والتهميش .. وداعا أيها الطفل الاستثنائي الذي كشف عن سوءتنا ولقننا كيف يكون الإنسان وكيف تكون الإنسانية التي تجمعنا .. وداعا عزيزي ريان، فقد تركت الرسائل مفتوحة، فهل من قارئ ؟ ارقد بسلام آمنا مطمئنا بمشيئة الخالق الواحد الأحد .. فلله ما أعطى ولله ما أخذ، و”إنا لله وإنا إليه راجعون” .. ارقد بسلام عزيزي ريان، فالمغاربة لن ينسوك أبدا .. لأنك فقيد المغرب والإنسانية جمعاء … وداعا يا من أزاح المنقذون جبلا من أجله .. وداعا يا من “زحزح قارة الإنسانية” في زمن الأنانية المفرطة والتواضع الأخلاقي والقيمي والبؤس الإنساني … وداعا ريان .. ولأسرتك المكلومة  وللشعب المغربي قاطبة .. خالص العزاء وأصدق المواساة …