الألباب المغربية/ محمد لعريشي
لم تكن الفيضانات التي شهدتها جماعتي “المكرن” وسيدي “علال التازي” حدثًا عابرًا في سجلّ الأرصاد الجوية، بل محطةً مفصلية أعادت ترتيب العلاقة بين الإنسان ومجاله، وبين الواقع والتخطيط للمستقبل، وبين المسؤولية وآليات المساءلة.
لم تُغيّر الفيضانات لون الأرض إلى طينٍ فحسب، بل أعادت تشكيل وعيٍ مجتمعي، وأيقظت أسئلةً ظلّت مؤجَّلة لسنوات. تبدّلت نظرتنا إلى قطرات المطر؛ فلم تعد مجرّد بشارة خير، بل غدت اختبارًا حقيقيًا لمدى جاهزية البنيات التحتية، ومعيارًا دقيقًا لصلابة التخطيط وجودة التدبير.
تغيّرت علاقة الإنسان بمحيطه؛ فالبيت الذي كان عنوان الطمأنينة والسكينة تحوّل إلى صندوق مثقل بالأوحال، والسطح الذي يرمز للأمان صار منصّةً لطلب النجدة من عناصر الوقاية المدنية، والشارع الذي كان يعجّ بالحياة أضحى بحيرةً عابرة تكشف هشاشة المسالك وضعف قدرتها على مجابهة قسوة الطبيعة.
كما أعادت الفيضانات ترتيب سلّم الأولويات؛
فباتت السلامة تسبق المؤونة، والحماية تتقدّم على الكماليات، والتخطيط الاستباقي يحلّ محلّ تبرير التقصير. وأُعيد تعريف مفهوم المسؤولية؛ فلم تعد شعارًا ظرفيًا، بل التزامًا عمليًا يُقاس بسرعة التدخل، ونجاعة الاستجابة، وأثر الحلول في الميدان.
وفي تفاصيل المشهد اليومي برزت تحوّلات موجعة؛ أحياءٌ لم تكن ضمن بؤر الخطر بدت وكأنها حظائر للماشية، وتوقّفت الدراسة لأسابيع في قلب الموسم الدراسي، وانقطعت طرقات فازدادت أخرى ضغطًا واكتظاظًا، وتحولت مسالك الأمس إلى منافذ مغلقة.
ومع تعثّر الإمدادات وصعوبة وصول المواد الغذائية والحاجيات الأساسية، لامس السكان معنى العزلة الفعلية، واستعادوا تقدير النِّعَم التي كانت تُعاش دون انتباه. كانت لحظة إدراك جماعي بعمق الترابط بين الاستقرار والخدمات، وبين جودة التخطيط وأمان الحياة اليومية.
غير أن المحنة لم تكشف مواقع الهشاشة وحدها، بل أبرزت أيضًا نقاء المعادن. تجلّت روح التضامن داخل المجتمع المدني الغرباوي، وامتدت الأيادي بالعون دون انتظار مقابل، وانطلقت مبادرات بروح عالية من المسؤولية، وتعالت نداءات الدعم والمؤازرة. وفي المقابل، ظهرت سلوكيات ضيّقة لتجّار الأزمات الذين سعوا إلى توظيف الألم لمكاسب شخصية (ثمن الشمعة 15 درهمًا نموذجًا)، فكان المشهد درسًا أخلاقيًا بقدر ما كان درسًا عمرانيًا وتنمويًا.
كما شكّل مركز الإيواء المخصّص للمتضررين فضاءً إنسانيًا دافئًا، نُسجت فيه علاقات تضامن رصينة، وتوثّقت فيه أواصر التعاطف والتكافل. وفي المقابل، احتدمت النقاشات بين بعض الفاعلين السياسيين، بين أخذٍ وردّ، حيث تمسّك كل طرف بوجهة نظره ورؤيته لما يراه صوابًا، في مشهد يعكس حيوية الاختلاف وتباين المقاربات.
لقد غيّرت الفيضانات السؤال من:
“ماذا وقع؟”
إلى: “ماذا ينبغي أن نفعل حتى لا يتكرّر؟”
وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي:
تحوّلٌ من ردّة الفعل إلى ترسيخ ثقافة الوقاية،
ومن تدبير الأزمة إلى اعتماد التخطيط الاستباقي،
ومن خطاب التبرير إلى ممارسة المساءلة الرشيدة،
ومن الألم الظرفي إلى مشروع بناءٍ مستدام يعزّز مناعة الوطن ويصون كرامة ساكنته.
فالطبيعة، بقدر الله تعالى، حين تتقدّم لا يردعها إلا الاستعداد، وحين تكشف مواطن الخلل لا ينفع إلا الإصغاء المسؤول والعمل الجاد.
هكذا لم تكن فيضانات المكرن وسيدي علال التازي مجرّد ارتفاع في منسوب المياه،
بل كانت ارتفاعًا في منسوب الوعي…
وبداية مرحلة جديدة عنوانها: المسؤولية، الوقاية، وبناء مستقبل أكثر صلابة.