الموظف والمواطن بين شطـط الإدارة وإكراهات الشارع

رأي
الموظف والمواطن بين شطـط الإدارة وإكراهات الشارع
رابط مختصر

الألباب المغربية/ المصطفي بلحامرة – وادي زم

إذا كان هناك من ممارسات شططية (Arbitraires) وتعسفات في الإدارة لقهر المواطن، فإن بلادنا ما زالت لم تتخلص من نفايات الماضي الذي ورثه الخلف عن السلف وفق ماهو موروث عن الاستعمار البرتغالي والاسباني والفرنسي وقبلهم الشرقي من تحقير وازدراء، إذ أن الوظيفة في عهد الاستعمار كانت محكومة بالتفضيل والتفاضل والتمييز والتمايز بين أبناء المستعمرين الغزاة وأبناء الوطن الأصليين. فالمعاملة التي كانت سائدة خلال تلك المراحل كانت تصنيفية عنصرية شيئا ما إذا صح التعبير. فالموظف الاستعماري كيفما كان وضعه التراتبي، كان يحظى بمعاملة خاصة تمييزية، بينما الموظف والمواطن المغربي كان ينظر إليه نظرة دونية تحقيرية، باعتباره بشرا من الدرجة الثانية. فهناك فرق في المعاملة وفرق من حيث إسناد المهام والمأموريات وتطبيقها بمكيالين. وغالبا ما يكون العمل المضني من نصيب الموظف والمواطن المغربي الذي كان دوره مقتصرا على خدمة المستعمر وأزلامه من قواد وباشاوات وعمال وولاة وقواد جند وفقهاء دين ومن على شاكلتهم في مراكز الحراسة لمنع أو صد أي هجوم محتمل قد يستهدف المستعمر أو الخونة من لدن الأهالي، كما يسمون في العرف الفرنسي (Autochtones) وهي لفظة قدحيه تحقيرية لأهل البلاد الأصليين. وهذا مما لاشك فيه قد أثر في نفسية الموظف المغربي سواء كان مدنيا أو عسكريا أو شبه عسكري والذي ظل يختزن في قرارات نفسه أساليب المعاملة التمييزية التي كان يلقاها من لدن رؤسائه الغزاة ويحتفظ بصور التعالي التي كانت ممثلة بالرتيب الاستعماري. ولا يخفى علينا أن الغزاة المستعمرين هم أكثر الناس تكبرا وإعجابا بالنفس واحتقارا للبشر.. ! هذه الصفات المذمومة كونت مركب نقص لدى المسؤولين الكبار الذين تولوا الأمر بعد رحيل المستعمر صوريا واستشرى في صفوفهم هذا النقص حتى أضحى مرضا من أمراض ما يصطلح عليه بجنون العظمة، حيث الرتيب يعتبر من هو أقل منه رتبة، مجرد بشر من الدرجة الثانية وبالتالي هو ملزم بإبداء الطاعة العمياء والالتزام بها وفق الضوابط شبه العسكرية.. هكذا توارثت هذه السلوكيات في المؤسسة المغربية ووجد أصحابها في الاستعلاء والإعجاب بالنفس صفات ارستقراطية في جانبها السلبي. هناك مركبات نقص يشعر بها البعض جراء تعرضهم للتعسف والقمع والاستفزاز والتضييق، لما كانوا خارج الوظيفة، بسبب من الأسباب، ووجدوا في الوظيفة السامية الحماية والهيبة والجاه حتى أضحوا ينتقمون من المجتمع ككل. وقد مرت أمامنا نماذج لصور الغطرسة والصلف الأمني، حيث كان كلما ظهر أحد الطواغيت يسارع صغار الموظفين في الاختفاء عن نظرهم وويل لمن وجد في طريقهم فجزاؤه السب بأقبح العبارات والإهابة والتنكيل به والتهديد بالتوقيف عن العمل والطرد وحتى السجن وربما الاغتيال، لا لشئ سوى لأنه الرئيس المسؤول الذي لا يساويه باقي البشر.. وكنماذج الجنيرال أوفقير والجنيرال الدليمي وبعزات الغازي وغيرهم كثرمن الذين أقبروا والذين بلغ الخبث باد نابهم والمسبحون بحمدهم إلى رفع تقارير كاذبة عن موظفين ونقابيين وسياسيين وإعلاميين ومواطنين أبرياء ولم يكن يسلم من تقاريرهم الكيدية حتى الأموات.. ! وإذا كانت المراحل التي سادت خلالها السلوكيات الشططية والتعسف والتصلف والظلم وما عرفته الإدارة المغربية من انحرافات إدارية وقع ضحيتها شرفاء ونزهاء كان بإمكان الإدارة الاحتفاظ بهم لاستقامتهم وكفاءتهم وخبرتهم في كل دواليب الدولة كفرسان الميادين. فإن العنجهية التي ورثها المسؤولون الفاسدون المقبورون عن بعضهم ممن سبقوهم ومن المقبورين الغزاة ومن ما زالوا إلى الآن في مركز القرار، جعلتهم لايراعون في تركيب آلات الكيد وبسط المكائد والدسائس للنيل من الأبرياء بغية التسلي في سادية خبيثة لا يرقب صاحبها فيهم إلا ولا ذمة وجل بعض الإدارات المغربية إن لم نقل كلها لازالت مسيرة بهذه النماذج لذوي النفوس الشريرة والنيات السيئة، حتى انه ربما يرفع تقارير كاذبة كيدية عن الأموات بغية نيل رضا الإدارة.. ! فتبا له من رضا ينال على حساب ظلم الناس..! لكن من باب الإنصاف وحتى لا نبخس الناس أشياءهم أن تغييرات طرأت على الجهاز الإداري الذي عرف إصلاحات، في الوقت الذي بدأت بوادر الانفتاح تلوح في الأفق. والفضل في ذلك يرجع إلى المناضلين والحقوقيين والنقابيين الشرفاء والإعلاميين النزهاء والذين لم يلينوا ولم يستكينوا ولم يطبلوا ويزمروا ولم يبيعوا ضمائرهم مقابل منصب أو ريع، أو مال زائل أو امتياز بخس. إن أسوأ فترة في تاريخ الوظيفة وأحلك أيامها، هي الفترة الحالية حيث أضحى الموظف مضطرا للبحث عمن يشكو إليه في شأن قرارات ظالمة تطبق في حقه إن مارس حقا يكفله الدستور كالإضراب الذي لم يعد ممكنا حتى لا يخصم من أجرته التي لا تسمن ولا تغني من جوع أصلا أيام الإضراب، والزيادة في سن التقاعد وعدم الترقية بالشهادات الجامعية والخبرة الطبية لأيام المرض والاستفسارات لأتفه الأسباب.  فبعد كل هذا ماذا ننتظر من هذا الموظف البسيط الذي استبد به الضيم وطوقه الوضع المزري فأضحى يعيش تحت رحمة التهديد والوعيد من رئيسه، واستعطاف البقال الذي يقرضه ومالك البيت الذي يكتريه منه ترى أي ضمير وأي استعداد يبقى للموظف حتى وإن كان مستقيما ونزيها ؟ وكيف تكون المردودية في الأداء في هذه الحالة ؟ فهو إذن بين ضغط إدارة تجاوزت الحد الأدنى في الظلم والشطط في استعمال السلطة وإكراهات المعيشة التي بقرارات المسؤولين (السامين) السادية والتعسفية أصبحت شبه مستحيلة بسبب الزيادات المهولة في كل المواد الأساسية وحتى لا يخرج الوضع التأزم والقابل للانفجار في كل لحظة، فإن هؤلاء الساديين واللانسانيين كونوا جوقات من المغفلين وسموهم أحزاب بعد فلكلور سمي مؤتمر رغم أنهم كانوا موظفين سامين أو وزراء وأنهم هم من أوصلوا البلاد إلى الطريق المسدود ولولا الاقتراض والمنح وإعادة  البرمجة لأصيب البلد بالسكتة الدماغية بسبب هؤلاء “دراكولات” الذين لا يعيشون إلا على دماء صغار الموظفين والمستضعفين من المواطنين ولتمرير ظلمهم واستبدادهم وشرعتنه، ترشحوا هم وأزلامهم وحوارييهم  للاستحقاقات رغم أن بعضهم عات في الأرض فسادا ومنهم من له ملفات فساد معروضة على القضاء وفاز في انتخابات 8 شتنبر بطرق مشبوهة، كالارتشاء وشراء من لا ضمائر لهم وإعطاء الوعود الكاذبة. فمنهم من استوزر ومنهم من ترأس المجالس المحلية أوالاقليمية أو الجهوية ومنهم من سيلتحق بالدواوين وسيستعبدون ويقهرون هذا الموظف البسيط الذي بالكاد يعيش بأجر لا يسمن ولا يغني من جوع مما يجعله سيصب جام غصبه على المواطن الذي لاحول ولا قوة له والاثنان لن يكفوا عن امتصاص دماء ضحاياهم إلا اذا أصبحت معقمة بالكرامة والحرية التي تعد سما زعافا يقطع دابر هؤلاء الوحوش المفترسة. وكل الآمال معقودة على الحكومة الجديدة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.