الصورة المرئية والإدراك البصري لدى المتلقي

الألباب المغربية/ سناء سقي/ باحثة بماستر الأنساق السردية والبصرية

تفرض الصورة، يوما بعد يوم، سلطتها وتجاوزها للغة كخطاب بصري لتخلق مجازها الخاص في علاقتها بالمتلقي؛ سواء في بعدها التشكيلي أو الأيقوني… وكلما تم استعراض تطورها تقنيا، جماليا ووظيفيا، نلفي المسألة تتعقد أكثر لتحديد قِيَمِها في علاقتها مع الواقع، من خلال ثلاث عمليات أساس؛ المعرفة، الاتفاق، الوهم أو القيمة التمثيلية الحسية والصورة الرمزية المجردة، والقيمة الإشارية التي تعكس مضمونا ظاهرا للعيان.

ويبرز جليا هذا التعقيد خصوصا مع مختلف أنماط الصورة المتحركة.. لجهة الانتقال من المرئي البصري إلى الخيالي؛ وأيّاً تكن هيبة الصورة أو تفاهتها، وسرعة زوالها، فهي كنتاج بشري تصويري يحشد كفاءات نفسية، وثقافية متعددة تستدرج لدى المتلقي حالات ذهنية وانفعالية وعاطفية قد تختلف من الناحية الأنطولوجية..

ويقبع المتلقي أمام (الصورة) في مقام أوَّلي صافي مرتبط بوجوده الاستثنائي تلك اللحظة وتواجدها أمامه، في تجربة المرئي البصري، تختلف عن أي تجربة عادية؛ لكن هل يستوعب حقا هذا المتلقي رؤيته لهذه الصورة ؟ وإدراكه لها ؟

يقتضي الجواب عن السؤال: كيف نرى الصورة ؟ كغرض مرئي بصري، الوقوف عند العمليات المتميزة للعملية الإدراكية.

العملية البصرية التي تتم بالعين؛ العضو الكروي الذي تغطيه قرنية ” Corné” تؤمن مرور الأشعة الضوئية لتعبر البؤبؤ ثم الجليدية “Cristallin” وغالبا ما شُبِّهَت العين بغرفة مظلمة “Camera obscura” أو جهاز تصوير مصغر، وهذا ينطبق على القسم البصري لمعالجة الضوء، الذي يحتاج التقاط عدد كبير من الأشعة وتكثيفها في نقطة واحدة لتحصل الرؤية بشكل جيد، بعد ذلك تمر الصورة في طابعها البصري بالنظام الكيميائي الشبكي الذي يحولها إلى معلومة ذات طبيعة مختلفة عما قد توحيه كلمة صورة في اللغة.

تلي هذه العملية المرحلة المهمة من الإدراك البصري والتي تحدث عبر معالجة المعلومات التي تتلاقها خلايا تشكل أنسجة العصب البصري  “Fibres du nerf optique”  هذا الأخير يخرج من العين ليصل إلى منطقة جانبية من الدماغ بعدها تحدث اتصالات عصبية جديدة إلى الجهة الخلفية من الدماغ لتصل إلى اللحاء البصري الأولي.

وبعد محطة العين والجهاز البصري، تمر الصورة عبر عناصر الإدراك البصري التي تعد متلازمة ومتكاملة فيما بينها وهي ضوابط تميز ما تراه العين المجردة فتتفاعل مع المد الضوئي الناتج عن غرض ما، الظاهرة الضوئية أو الضياء، من ثمة تنتج الرؤية التي تنقسم إلى نهارية وهي النمط الأكثر شيوعا، هي رؤية ملونة تمتاز بدرجة عالية من الإبصار، أما الرؤية الظلامية فهي الإدراك البصري اللالوني بدرجة إبصار ضعيفة يحصل في المنطقة المحيطة بالشبكية خصوصا عندما يشتد الظلام.

وتعتبر رؤية الصور في معظم الأحيان نهارية، وتنطبق هذه الخاصية كذلك على شاشات السينما والحاسوب.. لتمتعها بدرجة عالية من الكثافة الضوئية.

أما طول موجة الضوء فهو المسؤول عن الشعور بالألوان نتيجة التفاعلات الصادرة أو المعكوسة من الأشياء اتجاهه، كما ان إدراك اللون يتم بفضل عمل الخلايا المخروطية في الشبكية، ويعد ترميز الألوان في المنطقة الأخيرة من الجهاز البصري عملية جد معقدة. وتبقى كل هذه العمليات رهينة بتوزيع الضوء في الفضاء أو ما يسمى بالحروف البصرية وهي حدود بين سطحين بدرجات متفاوتة من الكثافة الضوئية أو بألوان مختلفة، وهي مدركات حسية ووحدات أساسية من إدراكنا للأشياء وللفضاء.

ويعتبر التباين الذي هو تفاعل بين الضياء والحروف البصرية عنصرا أساس يمكن الجهاز البصري البشري من توحيد إدراك الضياء بإدراك الحروف البصرية، ويجري إنتاجها بشكل متزامن، وإدراك أحدها يؤثر في إدراك سائر العناصر السالفة الذكر. كما تتأثر الرؤية بعلاقة العين بعامل الوقت حيث هي أكثر تكيفا مع سرعة الضوء من تكيفها مع الظلمة وكذلك تشكل قدرتها على الفصل بحسب الوقت، فالعين لا ترى الظواهر الضوئية بشكل غير متزامن إلا إذا كانت مسافة الوقت التي تفصل ما بينها طويلة جدا، والعين ليست سريعة جدا لتعداد الحوافز الضوئية، كما أن عملية الإدراك تعتمد على حركات الشبكية داخل العين والتي منها الحركات السريعة؛ تكون فجائية او لا إرادية مثلا عندما نعود إلى السطر أثناء القراءة، أو لا إرادية، وحركات المتابعة عند تتبع حركة غرض ما وهي أكثر انتظاما.

إن المتلقي اليوم أمام( الصورة )بحاجة ماسة إلى الإلمام بهذه المستويات حتى تتسع نظرته المعرفية ويتفاعل بشكل أفقي وعمودي مع تقاطعات وتقابلات مكونات الصورة المرئية البصرية، في قراءة أولية لها  قبل ولوجه إلى مطبخ المعنى.