الألباب المغربية/ يونس المنصوري
لم تعد المآسي مجرد أحداث تستدعي التحليل والبحث عن الحلول، بل أصبحت مادة خام لصناعة الإثارة وجلب المشاهدات حادثة اغتصاب 14 فتاة مثل غيرها من الجرائم الفظيعة. لم تطرح في الإعلام بأسلوب يحترم الضحايا أو يسعى لفهم جذور المشكلة بل وُظفت كمحتوى درامي يُستهلك بسرعة قبل أن يُستبدل بفضيحة جديدة أكثر جذبًا. العنوان هو البوابة الأولى للاستغلال الإعلامي، عناوين ضخمة محشوة بالكلمات المثيرة اغتصاب جماعي يهز المدينة تفاصيل صادمة لأول مرة الكشف عن السر وراء الجريمة لا أحد يهتم بحماية الضحايا أو بتقديم القضية بشكل يحفظ كرامتهن المهم أن يجذب العنوان أكبر عدد ممكن من النقرات حتى لو كان ثمن ذلك إعادة إيذاء الضحايا نفسيًا وفتح جراحهن أمام جمهور يبحث عن الإثارة لا عن الحقيقة. ينتقل المراسلون إلى مكان الحدث ليس بهدف تقديم تحقيق صحفي عميق بل لإنتاج مشهد درامي، يقف المراسل أمام حي متواضع يتحدث بصوت خافت وكأنه في جنازة يستخدم عبارات مثل المكان الذي شهد الكارثة حتى لو لم تكن هناك أي علاقة مباشرة بين المكان والجريمة المهم هو خلق أجواء مناسبة لجذب الجمهور، يُستجوب الجيران الذين لم يروا شيئًا لكنهم مستعدون للحديث لساعات يتحدثون عن شعورهم بالصدمة عن غرابة المتهمين وكأننا أمام قصة بوليسية رديئة. في استوديوهات التحليل تُفتح الأبواب لكل من يدعي الفهم يُستدعى خبراء في علم النفس في الدين في التربية في كل شيء إلا في التحقيقات الجنائية أو حقوق الإنسان يبدأ الحديث عن انهيار الأخلاق عن دور الإنترنت في نشر الفساد وكأن المشكلة في الفتيات أنفسهن أو في التكنولوجيا لا في غياب الردع القانوني أو في المجتمع الذي يُبرر العنف ضد النساء يتم تحميل المسؤولية للجميع إلا للمنظومة التي سمحت بحدوث الجريمة. وسط كل هذا الصخب أين هن الضحايا؟ هل يحصلن على دعم نفسي أو قانوني؟ هل تُحترم خصوصياتهن؟ لا، لأن هذا لا يحقق مشاهدات الأهم هو نقل قصصهن بتفاصيل قد تفضحهن عرض صورهن دون إذن تتبع حياتهن كأنهن شخصيات في مسلسل، لا أحد يسأل إن كنّ يرغبن في مشاركة معاناتهن فالإعلام لا يرى فيهن بشرًا بل وقودًا لعناوين نارية بعد أيام تهدأ العاصفة يتراجع الخبر إلى أسفل القائمة يستبدل بحادث آخر جريمة أخرى فضيحة جديدة الإعلام لا يهتم بالحلول لا يضغط من أجل قوانين تحمي النساء لا يتابع القضية حتى تنال العدالة مجراها كل شيء يختفي كما ظهر ويبقى السؤال معلقًا متى يصبح الإعلام مسؤولًا؟ ومتى نتوقف عن استهلاك آلام كمادة ترفيهية؟