أوراق من زمن تارودانت الرديء : انتهى زمن الانتخابات الشعبوية مع بن كيران..

رأي
مصطفى طه12 سبتمبر 2021
أوراق من زمن تارودانت الرديء : انتهى زمن الانتخابات الشعبوية مع بن كيران..
رابط مختصر

الألباب المغربية

 أحمد ايت أمغار

الشعبوية اشتقاق من كلمة الشعب، و مفهومها هو تمثيل الشعب أو الناس العاديين، في صراع مفترض ضد النخبة، سواء تلك الممثلة بالسلطة أو بالأشخاص والجماعات المتنفذة بشكل رسمي أو غير رسمي في المجتمع… الشعبوية ليست نظرية أو رؤية مستقلة بحد ذاتها في التاريخ المعرفي أو السياسي، وإنما حزمة مشاعر ومطالب ترد في سياقات مختلفة..يمتاز الخطاب الشعبوي ببساطته السياسية ووضوحه الاخلاقي، في الغالب على نحو مضلل، من خلال افتراض صراع بين معسكرين : أغلبية مظلومة هي الشعب وأقلية ظالمة هي النخبة..خطاب سياسي/أخلاقي تحشيدي ومزاج شعبي حاد، من دون محتوى فكري أو نظري معين، وبالتالي فهي يمكن ان توجد ضمن الحركات القومية والاسلامية والشيوعية، وعبر وجودها في هذه الحركات، فإنها تخرجها من إطارها النظري أو رؤيتها السياسية، كما حصل في الشعبوية البنكيرانية التي ناقضت الكثير من مبادئ حزب العدالة و التنمية…و بسبب محتواه التبسيطي وثنائية الخير والشر فضلاً عن طابعه التحريضي فيه، يجد الخطاب الشعبوي الكثير من الآذان الصاغية بين الجماعات السكانية التي يتحالف فيها الفقر مع ضعف الوعي، لأنه يقدم حلولاً سهلة، وان تكن مزيفة، لمشاكل معقدة، وعبر هذه الحلول يَعدُ هذا الخطاب جمهوره بإنصاف قريب طال انتظاره.

تتغذى مختلف أنواع الشعبويات على أحاسيس التهميش والحرمان والغضب لدى كامل المجتمع أو شرائح معينة منه، سواء كان هذا التهميش حقيقيا أو متخيلاً… وتعتبر التفاصيل والأرقام عدوة الشعبوية الأولى ونقطة ضعفها الكبرى، فالحديث في الأرقام والتفاصيل يحتاج مزاجاً هادئاً وصبوراً ووعياً عالياً وهاتان صفتان غائبتان في  الحركات الشعبوية التي غالباً ما توظف تفسيرات مؤامراتية لفهم العالم وأحداثه…

برزت الشعبوية أكثر في منتصف القرن التاسع عشر فصعوداً، في أميركا، من خلال بروز حركات جاهرت بعدائها  للمهاجرين والكاثوليك واعتبارهم مصدر الداء الاقتصادي والأخلاقي، حتى مع تبني هذه الحركات مطالب اصلاحية لدعم حقوق الفلاحين وتخفيض ساعات العمل للعمال..تمظهر آخر في تاريخ الشعبوية، كان في روسيا القيصرية في أواخر القرن التاسع عشر مع تصاعد المطالبات بانتزاع الأراضي الزراعية من الملاك الإقطاعيين ووضعها تحت الملكية الجماعية للفلاحين عبر منظمات تؤسس لهذا الغرض…في السياقَين الأميركي والروسي حينها، كان للشعبوية جانبٌ اصلاحي للرد على ظلامات اقتصادية واضحة. لكن في القرن العشرين، بدأت الشعبوية ترتبط بالاشياء السيئة على نحو خاص، خصوصاً مع صعود الفاشية والنازية في الثلاثينات وعدائهما، باسم روح الشعب وإرادته، للآخرين المختلفين  بوصفهم مصدر الشرور والمشاكل (اليهود، الاشتراكيين، الليبراليين، الاجانب الخ).

مغربيا ظهرت البوادر الجدية للشعبوية مع تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مرحلة ما بعد الاستقلال الذي دشنه بن بركة و بوعبيد … فمع الدخول الواسع للناس في السياسة وشدة الاستقطاب السياسي حينها، تصاعدت خطابات شعبوية متناقضة تحيل مشاكل المغرب إلى أقلية نخبوية ، فمن شعارات رفعها متعاطفون مع الاشتراكية بخصوص تجاوز الإرث الاجتماعي التقليدي الناظم للحياة حينها إلى التوعد القومي والعلني للفقيه البصري و السرفاتي.. بقلب النظام ، والدعوة للاتحاد الفوري مع مصر جمال عبد الناصر وجزائر هواري بومدين و ليبيا القذافي .. كحل متخيل لمشاكل البلد، كان التبسيط والتحريض الشعبويين يهيمنان على السياسة.

كانت الشعبوية الاشتراكية الأكثر وضوحا في عقود حكومات التناوب للبلد عبر نظريات المؤامرة و العمالة …، لتفسير أي معارضة لتدبير شؤون الحكومة ،و تبرير تجاوزاتها والغطاء على قمعها الوحشي للمجتمع المدني…

ساهم الفكر الاشتراكي الشعبوي الطويل في ترسيخ الخوف من الآخر المختلف معه ، ولومه على كل مشاكل البلد، ليتجدد هذا التراث بأطر جديدة، دينية اسلاموية في عالم الحرب على الارهاب ما بعد 2003، غذتها واستفادت منها الأحزاب و الجماعات الاسلاموية …

ففي الحيز المغربي الذي سيطر عليه الاسلام السياسي منذ 2011 إلى الآن، جرى تصوير اخوان بن كيران على أنهم الأقلية الناجية، المتمتعة بالسلطة لمحاربة الفساد، والمتحالفة مع من كان من أجل قيادة الاغلبية الحكومية و”اعادة عقارب الساعة إلى الوراء”.

في إطار هذا التحشيد الشعبوي، قُيمت الأحزاب الحاكمة على أساس قدرتها في الدفاع عن أفكارها و قيمها ومبادئها في الحكومة ، بدلاً من الانجازات التي كان عليها انجازها لفائدة المجتمع ولصالح الوطن …

حتى مع تجاوز المجتمع التدريجي والصعب للخطابات الحزبية كأحد أشكال التعبئة الشعبوية، خصوصاً في السنوات الأخيرة، انساق الكثير من الجمهور مع الخطابات الملكية السامية التي تكتسي طابع الواقعية والجسدية و تسمي الأمور بمسمياتها وفقا للدستور المغربي الذي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة

فكل الشعارات الشائعة التي يرفعها المتظاهرون تختصر كامل المعضلة المغربية بنخبة حاكمة أغلبها شرير ويقفز باستسهال لافت على دور الجمهور وتواطؤه على مدى سنوات طويلة بعد 1999 في ترسيخ حكومات هذه النخبة عبر منحها الشرعية الانتخابية والحماية المكوناتية ورفض مساءلتها مؤسساتياً وسياسياً…

لعبت جائحة كورونا، دوراً مهماً في كشف شعارات الأحزاب السياسية، و إنهاء الشرعية الشعبوية للحكومة، على أساس التخويف من الفساد ،الذي ينخر بعض مؤسسات الدولة .

حيث فرضت الظروف القاهرة للجائحة على المواطنين الخروج علانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن غضبها الشديد وكرهها بعض الإجراءات والقرارات المتسرعة والتي كانت سببا في معاناة المواطنين .. لصالح شرعية مختلف السلطات الوطنية التي عملت منذ بداية الجائحة على مد يد المساعدة وعلى أساس تبني مصالح الشعب المشروعة طبقا للتوجهات الملكية السامية… لكن حتى مع هذا التطور الهام في فهم السياسة وموقع الفرد فيها كمواطن فاعل، ما تزال المقولات الشعبوية تهيمن في كثير من نقاشات الاصلاح …

فمثلاً في إطار الحديث عن منجزات الشخص الذي يتحمل مسؤوليات حزبية و قطاعته الموازية والتي يُفترض أن يكون اصلاحيا، برزت مقولات التحذير من الأحزاب واستهداف قوت الفقراء والتأكيد على أن رواتب الموظفين خط أحمر والقضية الفلسطينية وحكم قيس سعيد بتونس … استدعاء هذا الخطاب الشعبوي في السياق العام  يحول مسائل فنية مهمة ذات مضامين اجتماعية خطيرة  وتستحق نقاشاً معمقاً للوصول الى تقديرات مهنية بخصوص الفوائد والخسائر وكيفية تقليل الأخيرة لصالح الأولى، يحولها إلى معارك أخلاقية بين “المدافعين عن حقوق الفقراء والموظفين والمتجاوزين المفترضين على هذه الحقوق ..!!!.ما يمنح هذه الاندفاعات الشعبوية المظهر الخادع للمنطق هو خليط من عوامل متشابكة بينها وعي شعبي متدن سياسياً واقتصادياً، وإعلام غير رصين يفشل في تنوير الرأي العام بخصوص القضايا المرتبطة بالصالح العام وحياة سياسية مشوهة يديرها ساسة انتهازيون وضيقو الأفق..كل هذه العوامل ،تتفاعل  في إطار مشهد سياسي مغربي عام، معبأ بأحاسيس الغضب والتهميش، لتكون النتيجة سجالاً شعبوياً عقيماً بخصوص قضايا هامة تمس حياة كامل المجتمع على نحو جوهري… إذا كان للشعب المغربي أن يتجاوز أوقاته الصعبة الحالية وينجز اصلاحاً سياسيا واقتصادياً حقيقياً، فمن الضروري كبح الروح الشعبوية التي تطبع الكثير من النقاشات والتفكير في الحيز العام…لأن السياسة تقوم على منطق متعارف عليه مؤسساتيا ..

لا يصح إلا الصحيح

وفاقد الشيء لا يعطيه

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.